الفصل الثانى: الضابط الشاعر: يوسف صديق

الضابط الشاعر يوسف صديق: بقلم الشاعر محمود توفيق


هو الشاعر الضابط الوطنى بطل ثورة يوليو ومنقذها من الفشل والهزيمة (1).
- وعن حياته، أنه ولد فى قرية زاوية المصلوب مركز الواسطى مديرية بنى سويف يوم 3 يناير سنة 1910، ووالده هو اليوزباشى منصور يوسف صديق، وكان ضابطاً بالجيش المصرى بالسودان، حيث أصابه المرض نتيجة للاعياء الذى حل به بسبب العمل الشاق والظروف الصحية القاسية، وقد مات بعد مولد يوسف بعام واحد - ووالدته هى الحاجة سكينة أحمد على وهى شقيقة الشاعر الضابط محمد توفيق على.
نشأ يوسف يتيماً فى كنف والدته، وفى رعاية خاله محمد توفيق على الذى كان ولى أمره. وتعلم فى مدارس الواسطى وبنى سويف، حتى نال شهادة الثانوية، ثم التحق بالمدرسة الحربية - بمساعدة خاله وولى أمره، وتخرج ضابطاً فى سنة 1932.
وقد عاش يوسف حياة شاقه فى الجيش، ولكنه احتل فيه موقعاً مرموقاً كاستاذ للتاريخ العسكرى فى الكلية الحربية، وشارك بدور بارز فى حرب فلسطين، حيث كانت الوحدة التى يقودها، هى التى وصلت إلى أقرب موقع من تل أبيب - عاصمة الكيان الصهيونى. وفى فلسطين أصيب بشرخ فى رئته اليسرى ظل يعانى منه باقى أيام حياته.
انضم يوسف إلى تنظيم الضباط الأحرار، وشارك فى أحداث ثورة يوليو بدور بطولى، كان هو الذى أنقذ مصير الثورة من الضياع، واختير عضوا بمجلس قيادة الثورة - باجماع أصوات اعضاء المجلس، تقديراً لشجاعته وبطولته، ولخصاله ومزياه.
غير أن الخلافات ما لبثت أن دبت بينه وبين زملائه فى مجلس القيادة بسبب انحيازه هو إلى التيار المنادى بالديموقراطية والحريات، وانحياز معظم الآخرين إلى التيار الآخر، تيار الدكتاتورية العسكرية والحكم المطلق، وما لبث الخلاف أن تطور سريعاً، وتحول إلى اضطهاد سافر من جانبهم له، عانى منه الأمرين، واضطر إلى الاستقالة من مجلس قيادة الثورة، ومن الجيش، وواجه سنوات من الاضطهاد والعدوان، وتعرض للنفى داخل مصر، ثم خارجها إلى سويسرا، ثم إلى لبنان، وتعرض لدخول سجن الأجانب، ثم السجن الحربى، ثم لتحديد الأقامة فى قريته زاوية المصلوب، ثم فى منزله بالقاهرة.
وقد أدت تلك الاحداث إلى التأثير على حالته الصحية، فعانى أمراضاً شديدة خطيرة حتى توفى فى 31 مارس سنة 1975.
وبناء على كفاح ابنته الكبرى سهير - زوجتى - أمر الرئيس الراحل بتشييع جنازة يوسف، فى جنازة عسكرية، فشيع فى جنازة مهيبة، شاركت فيها القوات المسلحة، كما شاركت فيها جموع حاشدة من المواطنين.
وكان الرئيس السادات قد أمر باخراجى من السجن، للمشاركة فى تشييع الجنازة، حيث حضرتها، ثم أعدت إلى السجن (أبى زعبل) مرة أخرى.
وقد دفن يوسف صديق يوم 1 ابريل 1975 بمدافن البساتين بالقلعة، وعلى قبره وضعت لوحة من الرخام فيها أبيات للشاعر كمال عبد الحليم تقول:

هــا  هنــا   يَرقُـد   من   حررنـــــا          وافتـــدى   مصـر   بقلــب  ينــــزفُ
هــا  هنــا   شاعرنــا،   فارسنــــــا          رافع   الرايـات   حُمــراً،   يوســــف
فإلى   يــوم   حِســابٍ   صـــــادقٍ            سيظــل   الشعــب   عينــاً   تــذرف

هذا عن يوسف صديق الإنسان، فماذا عن يوسف صديق الشاعر:
- منذ مطلع شبابه، اهتم يوسف بالشعر قارئا. وذلك فى معية خاله وولى أمره، الشاعر محمد توفيق، حتى تكونت لديه ملكة الشعر، وبدأ يمارس قوله وهو طالب فى الكلية الحربية، ويلقيه على زملائه بها فى المناسبات المختلفة، حتى لُقب بشاعر الكلية الحربية. واستمر يوسف، وهو ضابط بالجيش يكتب الشعر ويلقيه على زملائه الضباط فى المناسبات، حتى عرف عنه أنه شاعر الجيش، حتى قيام ثورة يوليو، التى فجرت أحداثها، وعلاقته بتلك الأحداث، ينابيع الشعر الكامنة فيه، فكتب العديد من القصائد فى تلك الأحداث، وفى أثرها عليه. وبدأ فى نشر شعره فى مرحلة متأخرة، حيث نشرت له صحيفة الشعب العديد من القصائد السياسية والوطنية.
وقد جمع يوسف العديد من قصائده وأعدها فى ديوان لنشره، وسلم مخطوطة الديوان إلى الأستاذ إبراهيم عبد الحليم - الكاتب وشقيق الشاعر كمال عبد الحليم، وصاحب دار الفكر للنشر، لطبعها، وكان إبراهيم من وجوه اليسار، فتعرض - كالعادة- لغزوة بوليسية على الدار، تم فيها القبض عليه، والاستيلاء على مخطوطة ديوان يوسف، حيث اختفت تماماً منذ ذلك الحين. وبعد وفاة يوسف، بعد مرضه الطويل، حاول أبناؤه، ومنهم اللواء شرطة حسين استرداد المخطوطة من جهة البوليس المعنية، وباءت المحاولة بالفشل، وظل اللواء حسين يحاول من جديد جمع أشعار والده، وبصعوبة بالغة، تمكن من تجميع عدد من القصائد والمقطوعات، ثم دفع بها إلى الطبع والنشر، فى ديوان صغير اسماه "ضعوا الأقلام" وهو عنوان إحدى قصائد الديوان، وهذا هو كل ما بقى لدينا من شعر يوسف صديق، استكمالاً لما لدينا من آثار بطولته وسيرته العطرة.
وها أنا أقدم جانباً من تلك الأشعار التى نشرت فى هذا الديوان، دليلاً على شاعريته الفذة، وعلى بطولته ووطنيته الصادقة:
- من ديوان ضعوا الأقلام، للشاعر البطل يوسف صديق.(2)
- يقول فى مقطوعة عنوانها "فى استقبال الصديق الثالث" بمناسبة مولد حفيدة "يوسف صديق" ابنى من كريمته سهير يوسف - وكان يوسف وقتها سجيناً فى السجن الحربى، بينما كنت أنا سجينا فى سجن آخر، هو سجن القناطر - وذلك فى يناير سنة 1955:

اقبلت  تسعى  من  الظلماء  للنـــور           فاسلمتــك    دياجيــــر    لديجــــور
اشرق  بنــورك  فالأيــام  حالكـــــة           من هول  ما اقترفت  فينا من الجور
ان  الرسالة  فى  اسمائنـا  لمعـــــت           فحملتنـا   ثــواب  الهــدى  بالنـــور
ونحن  نعلـم  أن  السجـن   منزلنـــا           حتى ندُك  حصون  الإفك  والــزور
ونحن نعلم  أن  الموت  موردُنــــــا            نلقــاه فى  الله  فى  بشـرٍ  وتكبيــــر
جـردّ  حُسامـك  فالميــدان  مفتقـــــد           سيفاُ  يُضيئ  به فى  كف  نحريـــر
والحقْ بقومك، أسرعْ، إنهم سبقـــوا           وخذ  مكانك  فى  ركب  المغاويـــر

- ويقول فى قصيدة ألقاها فى حفل أقيم بنادى ضباط الجيش، فى عام 1946، لتكريم ضابط شجاع من ضباط الجيش، هو الأميرالاى سليمان عبد الواحد سُبل، كان قد عَصى أمراً من أمور الفساد الملكى، فأْحيل إلى الاستيداع، كطريقة لطرده من الجيش.
- يقول:

ما للوجوم  علا  الوجوه  وشاعـــــا            وتطيرتْ  تلك  القلـوبُ  شُعاعــــــا
حتى  كــأن  القــــوم  أول  مــــــرة           شهدوا  جهاد  المخلصين  مُضاعـــا
إن   اختـــلاف  الـرأى  فيمـا   بيننـــا         قد  ضيّــع  الحق  المبين  فضاعــــا
من لى بمن يُرضى النفوس جميعهـــا         ويُصحح  الأحــداث  والأوضاعــــا
من لى بمن عرف الطريق إلى الهُدى          يلقى  على  هذا  الطريق   شعاعـــا
...
هـون  عليك  أخى،  فـإن  جهادنـــا             فى  الله  لا  نرجو  الحياة  متاعــــا
إنا  وهبنـــا  للجهـــــاد   نفوسنــــــا            لا  نبتغــى  رُتبــاُ  ولا  أطماعـــــا
والمؤمنـون  المخلصـون  يزيدهـــم            ظـُلم  الحوادث  شـدة  وصراعـــــا
...
يا صاحــب  القلــب  الكبيــر  تحيـةً            فلقد  بدأت،  ولا  أقــول  وداعـــــا
حُـررت  من قيـد الوظيفـة  فانطلـق            حُراً،  وأطلــقْ  للكفـاح  شراعـــــا
عـارُ  الوظيفـة  أن  نُضـام  بهــا إذا            كنا  الرجـالَ،  ولم  نكن  اتباعـــــا
ونفــوسُ  أهـل  الحـق  تأبى  حــرةً            وكريمــة  أن  تُشتــرى  وتباعـــــا

وفى قصيدته الرائعة التى كتبها وهو فى منفاه بسويسرا سنة 1953، والتى سماها "من الجنة" - والتى تعرض فيها للخلاف الذى كان قائما بينه وبين مجلس قيادة الثورة، حول قضية الديموقراطية، يقول:

حسناء لوزان ترعانى على الجَبـــلِ          جاءت  تداوى  فكانت عِلة العلــلِ (3)
فى ثغرها من رحيق السحر بارقــة          تكــاد  تقتلنى  شوقــــــا  الى  القبـــل
قد  حرمته علينا  وهى  تعرضـــــه          عرضا يثير فضول الطهر والخجــل
(أيفون) انى غريب فى  دياركمــــو          وللغـريب نــوال  القصــد  والأمــــل
انا من بلاد رواها  النيل فى كــــرم           وفى  وفـاء  كساهـا  اجمـل  الحلـــل
فيها الجمال وفيها السحـر من قـــدم           كم اوقعت فى شراك الحب من بطل
بشوشة فى  وجوه  الضيف تسعدهم             فيها  الحيــاة وتبكى  كل  مرتَحِــل
حتى لقـد ظـن بعض الغافلين بهــــا             سـوء الظنون وقالوا أن تَطِب تُنــل
واستدرجتهم  قواهم  فى  مُروءتهـا             إلى فتاها  (نجيبٍ)  عَزّ  من  رجل
فقام فى  صحبه  والليلي  يستُرهـــم            والحقُّ يرشدهم فى عزمة  الرُســل
وكنتُ  فى  يــده  كالسهـم  اطلقنــى            أدُّك صرحهـم  فيهــا  فلــم  أُطِــل
الحق فى  جانبى  والظالمـون هُــــمُ            والله ينصر  أهل  الحق  فى  الجَلل
وأصبح  القومُ  حَيرى لا نصيرَ لهم             فقال: هيا أخرجوا منها على عجِـل
فإن  أبيتــم  فان  السيــف  محتكـــمَ             بينى وبينكمــو فى  أقــرب  الأجـل
ورْحت أجمع شمل الناس فى حَــذرٍ            وفى وفـاءٍ وأدعوهــم  إلى  العمــل
فقــال  قــوم  كفانــا  الله  شرهمـــو             هذا مريب وقد  يدعـو الى  خطــل
فارسِلـــوه   بعيـــداً   لا   يهددنـــــا            وشتتـوا صحبه  فى  كل  معتقــــل
فأبعدونـى  إليكــم،  ألــف  معـــذرةٍ            لأهل مصـرٍ وان هم شوهـوا عملى
..
يا أخت إنى  شهيـــد  جئت  جنتكــم            هل فى الجنان يداوى الداء بالشُعَـلِ
أجَر الشهيد  سالت الحُسن  فى  ولٍه            وفى الجنـان نعيــمُ  غيــر مبتــــذل
لا تحرمينى  رضابــا  فى  عذوبتـه             شئ من النيل فى طيف من الأمــل
يا مصر إنى ونار الشوق تفتـك بى             على البِعــاد لأدرى  أن حُبـك لـــى
فمن فتاك الذى  إن  سل  صارمــه         حلّ القضاء  به  فى أبرع الحيـــل؟
إن الجـــــلاء  الـذى  تبغينـه  أربُ             ينال بالسيف لا يرجى  من الـــدول
فـلا  يغرنَّك وعـــــدُ لا وفــاء  لــه             كم فى خصومك من لؤمٍ ومن مُطَلِ
لسـوف  يأتيـك  يــوم  تهتفيـن  بــه             يا للرجال وأين اليـوم  لى رَجُلـــى
لبيـــــك يـا أم  إنى غيــر  مبتعــــد             الا  لأكفيـك  شـر الدَس  والدجــــل
أنا الوفـى الــذى  لــم  يثنـه  دمـــه           ينسابُ من صدره عن يومك الحفل(4)
لم  يكفنى  شرفاً  أن  كنت  شاهـده          بـل  كنت  فيه  فتى  فتيانـه  الأول(5)

- وأخيراً فإننا نورد هنا آخر قصيدة قالها يوسف صديق، وهى قصيدة دمعة على البطل، وهى فى رثاء المرحوم جمال عبد الناصر، قائد ثورة يوليو، والذى كان قريبا من قلب يوسف صديق، رغم ما كان بينهما من خلاف. وقد كتب يوسف هذه القصيدة وهو فى موسكو، حيث كان يعالج من مرض السرطان، وكان قد أصابه الحزن الشديد على موت عبد الناصر، فقطع علاجه وعاد إلى مصر.
- قال:
أبـا  الثوار  هل   سامحت   دمعــى           يفيض  وصوت  نعيك ملء سمعــى
وكنـــا  قـــد   تعاهدنـــــا   قديمـــــا           على  ترك  الدمـــوع  لــذات  روع
وإن  الخطب   يُحســـم   بالتصــدى           لهول الخطب  فى  سيـــــف  ودرع
ولكــن   زلــزل  الأركــان   منـــى           وهـز تماسُكى  من  جـــــــاء  ينعـى
نعاك  وأنت  مــلء  الأرض  سعيـاً            وذكـــرك  قائــــــم  فى  كـل  ربــع
بكتك  عيون أهل  الأرض  حـــولى           فكيف  أصون  بين  الناس  دمعـــى
...
قضـيت  شهيـــد  وحدتنـا  تقـــــوى           روابطهــا  وتجبــــر  كل  صـــــدع
فمــا  للعُـرب  فى  الدنيا  مكـــــانُ             بغيـر  تماســـــك   وبغيـر  جمـــــع
رسمت لنا  الطريق وسوف نمضى             على  هـــذا  الطريـق  بغير  رجـع
سنمضى فى  طريــق  الحق  حتــى            نطهــر من  ثرانـــــا  كـل  صقـــع
وللعـمـــال   بالعـمـــــــال   نبنـــى             ونصنع  بالمصانـــع  خير  صُنـــع
وللفــــلاح   بالفـــــــلاح   نـــروى             صحارينـا  ونـــــزرع  خير  زرع
ففــى العمـــال  والفــــــلاح   درعُ             لثـورات  الشعــــــوب  واى   درع
جـــــزاك  الله  عنـــــا  كل  خيـــر             ورواك  الرضـــــا  من  كل  نبـــع
- نحو إقامة تمثال للبطل:
ولا يفوتنى وأنا أنهى هذا الحديث عن يوسف صديق، مناضلاً ثورياً، وشاعراً مظلوماً، أن أعرُج بالحديث إلى واقعة هامة تتصل به، وتتصل بى فى نفس الوقت، وهى أن أسرة يوسف، ومنها زوجتى سهير، قد عرفت بعد موته أن وزارتى الدفاع، والثقافة، قد أقامتا فى المتحف الحربى بالقلعة، قاعة لثورة يوليو، وضعت فيها تماثيل نصفية لجميع أعضاء مجلس قيادة الثورة، ما عدا يوسف صديق، وعبد المنعم أمين: وتقدمت الأسرة إلى ادارة المتحف الحربى، وإلى وزارتى الدفاع والثقافة، بتظلم من هذا الوضع، الذى يتضمن إجحافاً بيوسف، وانكاراً لدوره فى الثورة، كأمتداد لما تعرض له فى حياته من اجحاف واضطهاد. ولكن لم تستجب الوزارتان للتظلم، ولا للمساعى المتواصلة من جانب الأسرة، برفع هذا الإجحاف، وبإقامة تمثال ليوسف، أسوة بزملائه الآخرين، أعضاء مجلس قيادة الثورة.
وأخيراً، وبعد اليأس من الاستجابة الودية لهذا المسعى، قررت أنا - كمحام، أن ألجأ إلى القضاء لإزالة هذا الاجحاف، ولإجبار السلطة على التزام جانب الحق، والمبادرة إلى إقامة التمثال. وقد كان.
- رفعت دعوى أمام محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة، بطلب إلزام الحكومة بإقامة التمثال، وقد آثار رفع هذه الدعوى التى كان لها صدى فى الرأى العام، ردود أفعال مختلفة، البعض تندّر عليها، بحجة أن مثل هذا الأمر لا تصلح فيه إقامة دعوى، والبعض، بتأييد رفع الدعوى ومساندتها.
- المهم أن الدعوى استمرت لمدة تقرب من عشر سنوات، عانيت فيها الأمرين من المتاعب - ومن الآلاعيب القضائية والمغالطات، وصلت إلى حد انكار دور يوسف فى الثورة، بل وانكار وجوده فى الجيش، بل وإلى إنكار أنه كان هناك شخص اسمه يوسف صديق أصلاً.
- ولكن صوت الحق والعدل، ما لبث أن علا بمجئ الحق وزهوق الباطل، فأصدرت محكمة القضاء الإدارى - برئاسة مستشار عظيم هو المستشار فاروق شعث، حكماً تاريخياً بإلزام الحكومة بإقامة التمثال.
وحاولت الحكومة المماطلة فى الرضوخ للحكم، فتأيد الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا، ثم فى مرحلة التنفيذ، إلى أن رضخت الحكومة فى النهاية تماماً.
- وأخيراً أقيم التمثال فعلاً، وهو الآن يحتل مكانه فى صدر القاعة المخصصة لثورة يوليو بالمتحف الحربى.
- وجدير بالذكر، أن المرحوم عبد المنعم أمين، عضو مجلس قيادة الثورة، قد استفاد من هذا الحكم، إذ اضطرت الحكومة إلى إقامة تمثال له هو الآخر، فى ذلك المتحف وذلك بعد وفاته بسنوات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  توفى يوسف فى 31 مارس سنة 1975، ولم يطبع ديوانه إلا بعد وفاته بعدة سنوات  فى يناير 1999
 (2) سمى يوسف حفيده "الصديق الثالث"، إشارة إلى ما لاقاه جد الشاعر يوسف صديق الأكبر، الذى استشهد فى موقعة كردفان بالسودان إبان الثورة المهدية، ثم ما لاقاه أبوه اليوزباشى منصور صديق من اضطهاد الانجليز له حتى مات شاباً، وأخيراً إلى ما لاقاه الشاعر يوسف صديق من جحود ونكران.
 (3) لوزان – فى سويسرا.
(4) إشارة إلى إصابته بنزيف فى الرئة اليسرى وأنه كان ممنوعاً من الحركة بأمر الأطباء، ورغم ذلك فقد خرج إلى المعسكر، وقاد قواته ليلة 23 يوليو، وأنجح الثورة.
(5) إشارة إلى ما قام به ليلة الثورة، وهو الدور الرئيسى بها، ولولاه ما نجحت الثورة.

ابن الشعب: من شعر محمود توفيق

فى ذكرى الشاعر المجيد البطل يوسف صديق

ابن الشعب (1)

الفَتَى الأسَمـرُ فى التُرْبِ  ثَوىْ(2)         وعلى  دَربِ  البطـولاتِ   هَوَىْ
قـد رَوَىْ  مِصــرَ  بغالــى  دَمِـــهِ        وهوَ مْن  مَنهلِها العَـذْبِ  ارتوى
ما جفــا  يوســــفُ  يومــا  شَعْبـهُ        ما عَصَىْ الأوطانَ يوماً أو غَوَىْ
حَمَلَتْهُ  مِصــرُ  فى  أحضانِهـــــا         ومَضَـتْ  تُرْسِلُ  أنَّـــاتِ  الجوى
هكــذا  العُشَّـــاقُ  فى  أحوالهــــم        هكذا  تُتْلى  أساطيـــــــرُ  الهوى
...
يا  فَتَى الفِتْيانِ  .. ياخَمْرَ  الوَغَى         يا بَشيرَ النْصرِ فى اليوِمِ المجيدْ
كُنْتَ  كالإعصــارِ  فى  ثَوْرَتـــهِ          يَمْحَـقُ الظُلْـمَ  ويجتـاحُ  القيــود
جُـــرأَةٌ   فى  الَحـقِّ   لايُوهِنُهــا          حَذَرُ الموَتِ.. ولا خَوفُ الوعيد
تَبْعَـــثُ  الآمــالَ  من  مَرْقَدِهـــا          وهى تَحدو مَوكِبَ الفَجْرِ الجديد
إنهـا  الإخـــلاصُ   فى   ذِرْوَتـهِ         عندما يُصْبِــحُ فى  بَـأسِ الحديـد
...
فـارسُ الفِرسـان  طَـلاَّعُ  الــذُرا          باءَ بالحَسْـرةِ  من ظُلْـمِ الرفــاقْ
والذى  أخَلـصَ  للشعْبِ الهــوى          عَابَهُ الإخلاصُ فى دُنيا النِفــاق
والذى   حَطَّـمَ  أغلالَ   الــورى          باتَ فى الأغلال مَشدودَ الوِثـاق
واستحــالَ  العيش  سِجناً  دائمــاً         ووجـــوداً  بائســاً  مُـرَّ  المَــذاَق
مِحْنـةٌ   لـم   يَلْقَهــــا   مْن   قَلبْـه         غيرَ  أيوبَ ..  وخَطبٌ  لايُطـاق
...
تَبْلُغُ   الظُلمةُ   والظُلـمُ   المــدى         ويَبيتُ  العدلُ  مكسـورَ  الجنَــاحْ
غيـر  أن  الفَجـرَ  يأتى  ظافـــراً         وظـلامُ  الليلِ  يمحـوه  الصَبــاح
فبِنــاءُ   الحَـِّق   صَــرْحٌ   شَامِــخٌ          وبِنـاءُ  الزَيْـفِ  تـذورهُ  الريــاح
ليـسَ   كالأيـامِ   قـاضٍ   عَــادلٌ          لا..  ولا كالموْتِ  شافٍ  للجراح
هكذا   تَجـرى   بأقـدارِ  الــورَى         حِكمةُ  الدَّيان ..  والحظُّ  المُتـاح
...
هــا هو  التاريـخُ  يتْلـو  صَادِقــا          آيةَ الحــقِّ  .. ويُبْــدى  .. ويُعيِـدْ
وعلى  الأفــــاقِ   تبْــدو   رايــةُ         فى سَماءِ المجدِ تعلو ..  والخُلودْ
رايةُ  الإخـلاصِ والصـدقِ  التى         حُجِبَتْ  بالغــدرِ حينـاً والجحـود
رايـة  الصِدِّيــق  ..  لا  يُنكِــرُها         غير بَـــاغٍ  يتَعامـى ..  أو حَقُـود
إنْ  تَكُنْ غاَبتْ .. وأخفاها الدُجى          ها هى اليـومَ  الى  النورِ  تعــود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)        ديوان قصائد فى الحب والحزن.                          (2)   ثوى: أى رقد.



الفصل الثالث: الشاعر المناضل: كمال عبد الحليم

كمال عبد الحليم - بقلم الشاعر: محمود توفيق


كمال عبد الحليم هو زميلى ورفيق صباى، وهو رفيق نضالى على مدى شطر كبير من حياتى،.
وعنه كإنسان أقول: ولد كمال فى قرية كوم النور مركز ميت غمر مديرية الدقهلية لأسرة ريفية رقيقة الحال ولكنها مهتمة بتعليم ابنائها، وقد كان كمال تلميذا نابها فى دراسته الابتدائية والثانوية، وقد قضى معى فى مدرسة حلوان الثانوية بالقسم الداخلى، سنوات طويلة، ونال الشهادة التوجيهية من مدرسة شبرا الثانوية فى سنة 1944، ثم التحق بكلية الحقوق - جامعة القاهرة، وتخرج منها عام 1950.
- تفرغ كمال للعمل - كمحترف ثورى فى المنظمة الشيوعية الأكبر فى مصر، وهى الحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى، كما تفرغ لكتابة الشعر، ولم يعرف العمل العادى بشكل حقيقى حتى مات.
- تعرض كمال - كشاعر ثورى، وكمحترف ثورى، للسجن والاعتقال، والتشرد، عدة مرات، وقضى فى ذلك - وفى السجون والمعتقلات، وملاجئ الهروب والاختفاء، الشطر الأطول من حياته.
- وعنه كشاعر:  أنه تعلق بالشعر منذ صباه الباكر، وبدأ فى كتابته منذ أن كان تلميذاً فى المدرسة الثانوية، ثم بدأ فى نشر أشعاره، وهو مازال طالباً فى كلية الحقوق بالصحف والمجلات اليسارية، كالفجر الجديد، والجماهير، والملايين، وأم درمان - وغيرها. وقد استقبل الناس، وخاصة جماهير اليسار أشعاره بحفاوة بالغة منذ بدأ فى نشرها فنال بذلك شهرة واسعة - كشاعر وطنى وثورى واعد.
وقد عانى فى أواخر حياته الكثير، نتيجة لسوء أحواله المعيشية، ولعزلته السياسية والاجتماعية إلخ.
نشر فى شبابه ديواناً اسمه إصرار، ثم بعد ذلك - فى أواخر حياته  وبعد أن تجاوز الثمانين من عمره - أصدر له المجلس الأعلى للثقافة فى سنة 2007 ديواناً بأعماله الشعرية الكاملة، وهو ديوان كبير، صدر بمقدمه كتبها الشاعر محمد الفيتورى.
- ويعتبر شعر كمال عبد الحليم - من أغزر وأحر الشعر الذى قرأه الناس فى أواسط القرن العشرين، فهو يتميز بالغزارة والبساطة والحرارة والتلقائية وذلك سواء فى شعره الثورى أو شعره الغرامى.
وديوان كمال موجود ومتاح، ولكننا نكتفى هنا للتعريف به، بايراد بعض قصائده، أو بمقطوعات منها.
- فى الشعر الثورى:
يقول كمال عبد الحليم فى قصيدة عنوانها "نحن فى السجن"، كتبها وهو سجين بسجن الاستئناف فى سنة 1947 وهو فى الحادية والعشرين من العمر، إذ كان ممن قبض عليهم فى حملة صدقى الشهيرة:
نحـن  فى  السجـن  وللسجـن  ظــلامُ  وغيـــــومْ
وعلى الأوجـه  فى السجــن  تهاويــل  الوجــــوم
أيهـــا  العالـــم  هل  أنــت  بعيـــــد  أم  قريـــــبْ
هـذه  الجــدران  تدعـــوك  -  ولكـن  لا  تجيــــب
نحن  فى السجن  وتحت  الشمس  أنصار الظــلام
هــم  أرادوا  أن  يظـل  الشعـب  عبــداً  يستضــام
وأردنــا  أن  يعيــش  الشعـــب  حُــراً  لا  يضـــام
ولهــذا  –  فلنــا   السجــــن   جــزاء   وانتقــــــام
ولهــم   تنصـب  رايــــات  واعـــراس   تقـــــــام
أيها   الشعب   تمــرد  ..  أفلا   تُبصر   قبــــــركْ
ها  هو الخنجر  فى  قبضة   من  مزق   صـــدرك
موكب   الأحـرار  أنصـارك   للسجن   تحــــــرك
فتحــرك  أنت  يا  شعـب  لكى  تهــدم  قبــــــــرك

- ويقول فى قصيدة اسمها "هجرة":
تحت  هذى  السمـاء  جبن  وفقــــرُ           فتعالــــوا   إلى   بــــلادٍ   بعيـــــــدة
حيث  تحت  السماء  قــــوم  أرادوا          ثم   دانت   لهــم   حيــاة   سعيــــــدة
..
يا  رفاقى  جوانب  الكهف  ضاقـت          ورمت  بالألــوف   إثر  الألــــــوفِ
من  شيوخٍ  على  الطريق  عرايـــا          ونساءٍ  يسرْن  طـوع  الصــــــروف
وصغـارٍ  عمــاد   جيـلٍ   جديــــــدٍ          ذابلى  العود- فى انطواء  الطيــــوف
يا رفاقى  أرى  ضِياع  لصــــوصٍ          وشئـون  القضـاء  ملك  الضيـــــوف
إن  حز  القيود   أدمى   الأيـــــادى         وصـراع  القيــود  دأب   العيــــــوف
...
يـا  رفاقى  ولست  أعنى   معافـى        فى  بلاد  بها  المــلايين  مرضـــــى
أدخلونا  السجون  كُرهاً -  وعاثوا        ينشرون  الفســاد  طولاً  وعرضــــا
بعضُ  هذا  الشقـاء  عــارُ  علينــا       كيف طعم الحيــاة  تُفرض  فرضـــا
كيف  نشقى   وفى  البلاد   كنـــوزٌ -        هل  زهدنا  الثــراء  مالاً  وأرضــــا
ليس جوع  الجياع   صومـاً  ولكـــن          كل من جـاع  مثل من  باع  عرضـا
...
يـا  رفاقى  وفى  العيـون  دمــــــوعُ         ذلك  الدمــــع  لـــو  يَصيرُ  دمـــــاءَ
إن لون  الدماء  أشرف  للأحــــرار-         إن  عُذبـــــوا   فرامــــوا  الـــــدواء
هذه  العين  كـــم  رأت  مخزيـــــاتٍ         فى  قصورٍ -  وفى  كهوفٍ  شقــــاء
كلما  ساءلـــت  عن  السِـرّ  تبغــــى          أن ترى  النور  جرّعوها  الرضــــا
يا رفاقى  وقد  سئمت  الرضـــــــــاء        لست  أقـوى  على  الشقــاء  بقـــــاء
...
يا  رفاق   الشقاء  هل   من   مريــــد        لنــــزوح   إلى   بــــــــلادٍ   بعيـــدة
حيث  تحت  السماء  قوتُ  وستـــــر-        وحيــاة   يقــــــال   عنهـا   سعيـــدة
بل  تعالوا  نُحطم   الصنــم   العاتــــى       ونبنـى   هنا   الحيـــــــاة   الجديـــدة

- وفى ديوان كمال العشرات من القصائد الثورية، التى تدور حول نفس هذا المحور، وإن بصيغ وأشكال متنوعة. وموضوعها هو الظلم والاحتجاج والثورة عليه. ولكن فيه الكثير من الشعر الإنسانى والعاطفى والفلسفى الرائق المبدع.
- وإلى جانب هذا العبوس والتجهم الثورى، هناك فى شعر كمال تيار آخر، تيار كبير يفيض بالرقة والعذوبة والنضاره، وهو تيار شعره العاطفى الغرامى. ذلك الشعر الذى صاحب شبابه والذى كان موجهاً إلى فنانه شابة موهوبة. هى الفنانة المغنية فايدة كامل، ثم بعد ذلك إلى فنانة موسيقية ثورية هى ميمى كانيل التى تسمت بعد ذلك بأسم "ماجدة" ثم تزوجها وعاش معها زمناً قصيراً، ثم دخلت السجن وقضت فيه خمسة أعوام، ثم نفيت خارج البلاد بعد الافراج عنها، وذهبت إلى البرازيل وعاشت بها، ولم يرها هو بعد ذلك أبداً.
- يقول لمحبوبته فايدة كامل:
جمعتنــا   قداسـة   الفــن   لكـــــن             فرقتنـــــا    طبيعــة     الانســـــان
أنـت   فنانُــة   فكيــف    تُرائــــين            وتغضـــــين  عن   هــوى   فنــــان
انمــا   الفـن   فـورةُ    وانطـــلاقٌ              وخــروجٌ   من   عالــم  الكتمــــان
فى  أغانيك  ما  يجيـشُ   بِشعــرى             ويثيـر  الحيـــاة  فى   وجدانـــــــى
مثل  هذا  الغناءِ  لم   يسمع  الكـون             ولــم    تنفــرجْ    بـه    شفتــــــان
حين أُصغى إليك  أصغى  لصـــوتٍ            من  كيانــى  يهزنى  من  كيانــــى
حين  أصغى  إليـك  يهتـف  قلبــــى            وهـو  نشــــوانُ:  هـذه  ألحانــــــى
إن شِعـــرى   قبستـُه   منـــــك   لا            أدرى  لمــاذا  يفيض  عبر  لسانــى
أنت  إن   شئت  سال  عذبا   رقيقـــا           وإذا  شئــت   ثــار  كالبركــــــــان
وإذا  شئت  فار  كالنبع ،  كالنــــور           رفيقـــاً   فى   راقـــــص   الأوزان
وإذا  شئـت   لم  يفـض  وتـــــوارى            عن  حياتـــى  ولاذ  بالعصيــــــان
أنت  لحنى   فكيف  أُحـرم   لحنــى            كيف  أحيـــــا  فى عالم  الحرمــان
...
ذلك  الحُب  ضج  من  وحشة  القيــد          أمـا   من  هــوى   بـلا   جـــــدران
انما  الحب  منبع  النور  فى  الكـــون        ووحــى   الشعــــــــور   والإيمـــان
كـــم    جنــاحٍ   محطــم    يَسبـــــــق        الريـح  إذا   لاذ   بالجنـــاح   الثانـى
روعةُ   الحُب   أن   يطير   جناحـــاه        وأن   يهبطـــــــا   بكـل   مكـــــــان
يجهـلان  القيــود  -  كل  جنـــــــــاحٍ          يتناسى  الحــدود  فى  الطيــــــران
يتناسى  أن  السمــــاء   مع   الأرضِ         مع  الكــــونِ  هيكل   القضبـــــــان
...
لسـتِ   تدريـن  أن   للفــن   روحـــاً         ليس  يسمو   بها   سوى  فنـــــــــان
لسـتِ  تدريـن   أننا  حين   نهــــوى         نعبــدُ  الله  فى   دم   الشيطــــــــــان
تنزع   الروح   نحو  روح   ولكـــن         يعبـر   الحب  عالــم   الأبــــــــــدان
فتعالــى   إلىّ   جسمـــاً   لجســــــمٍ         انمـا   الجســم   آله   الروحانـــــــــى
وتعالــى   إلى  روحــاً   لـــــــروحٍ          ينسكب   نورنا  على   الأكــــــــوان

لسـت   تدرين   أننـا   يــــوم   جئنـــا          قد  لبسنا  الجسوم  والجسم  فانـــى
والحكيمُ   الحكيم   من  يُجهد   العمــــر        ويجـرى  الحيـاة   بين  الثوانـــــى
انما  الكــون   يُشبه   السجـــــــن   فى        الضيــق ،  فأين  الفضاء  للسجــان
فتعالى  إلىّ   قد  ضــاع  ما  ضـــــاع        وعاش  الهـــوى  برغم  الزمـــــان
وغدى   قد   يضيـع   ضيعة   أمســى        ويســـــوق   الغــــــرام   للنسيــــان

- ويقول لمحبوبته وزوجته ماجده، فى قصيدته التى سماها "عيد ميلاد":
ما  حياتــى   إن   أنا   ضيعتهـــــا             دون  أن  أبنــى   بنـــــاءً   للغــــــدِ
أنا   إن  عشت  وشعبى   مُرهَـــق             مُستغَــل  ثم   لم  أمـــدد   يـــــــدى
لصــراع    الظالـــم   المستعبـــــد            وصـراع  المستغــــل  المعتـــــــدى
فأنــا    لســت    بانســـــان    لـــه            عيـــد  ميـــــلاد -   أنــا  لم  أولَــــدِ
...
عيد   ميــلادى   الـذى   أذكُـــــره            يــوم  كافحــتُ  وأحببتُ  الكفــــــاح
وتمـشـَّتْ  فى   دمائــى   ثـــــورةُ             تنسِــف  الظلــم  فتـذروه  الريـــــاح
وتحسســـتُ    جراحــى    وأنــــا             فى  قيـودى -  فتحملــت الجـــــراح
...
ومضــى  عـــامٌ   وعــامٌ   و أنـــا             كُلمــا   أكبــــــرُ   أزداد    صِبــــــا
كل   يـــوم   ينقضـى   يملؤنـــــى             بشبــــــاب    يتغنــى    صاخبـــــــا
كل   يـــوم   مقبل   يحمـل   لـــى             أمـــلاً   حـــراً   حبيبــا   مرعبــــــا
...
والتقينــا   بالمصيـــــف   لحظـــةُ            وبصــدرى  ما بنيـران   المصيـــفْ
وبقلبــى   ثــــــــــورة   مكبوتــــة             كانكسار المـوج عن  صخرٍ  مُخيف
وبعينــى     يقظــــــةُ    حائـــــرةُ            وبريـق  لتـــرى  الشــــر  المُطيــف
وبعينـــــى    رغبــــة   منهومـــةُ             لتـــراك،    لتــــــراكِ،    لتـــــراكْ
وتــرى  المـوج   رذاذاً   ثائــــــراً            يتعالـى ثم  يهـــــوى  فى ارتبـــــاك
وحديـــثُ     ثائــــــر  مندفــــــــعُ           لــم  تكن  تخشــى  لظـــاه  شفتـــاك
لحظةً  مرت  وعاشت  واحتــــــوى          مِعصمــى القيــــد  وأدمــاه الحديـــد
ومضـى  عام  وعينى   تشتهـــــــى          أن  تـــراك ، والتقينــــا  من  جديـــد
فى  حديــثٍ    ثائـــرٍ   مندفـــــــــع          فى  كفــــاح  مـــاردٍ  مـــــر  عنيـــد
وكلانــــــا     قصــة    جبــــــــارة           وكلانــا  حائـــرُ  الخَطـــو  طريـــد
فصهرنــا   فى  الكفـــاح   حبنـــــــا          لهـــــب أنـــــت  -  ونيـــــران أنـــا
فتنــةُ   أنـت ،  ولــولا   ثـــــــــورةُ          جمعتنــــا  -  ماعشِقنــــا  بعضنـــــا
وكمـــانٍ      عبقـــرى     ثائـــــــــرٍ         قــــــد  حملتيــه  وغنيـــت   لنـــــــا
وبأذنــى    نَغمــــةُ    لا    تنتهـــــى         لارتطام  المـــوج  بالصخر  هنـــاك
فقتلنــــا   الرعــــب  فى    وحدتنــــا        وأقمنـــــا   فى   تحـــــدٍ    عُشنــــــا
وصحونــــا     فوجدنــــا     حولنــــا        قفصـــاً   لا تشتهيـــه   الأعيــــــــنُ
قفـــصُ    قامـــــت    عليـه     فئـــةُ        حسبــــوا   أنــا   ضعــاف   نجبــــنُ
هـذه    الجــــدران    لـــن    تخنقنــــا       فالملاييـــــن   قـــــوى   لا  تُسجـــن
الملاييــــــن     أفاقــــــت    يا لهــــم       حينمــــا   تخنــقُ   من  لا  يذعــــــنُ

- ديوان كمال عبد الحليم لا يحتوى فقط على هذه القصائد الرائعة فى الثورية والمقاومة والنضال، ولا على هذه القصائد العذبة فى الحب والغرام، إنه يحتوى على الكثير من هذه وتلك، ولكنه يحتوى أيضاً على عشرات من القصائد المختلفة فى غير ذلك من الموضوعات والأغراض، المألوفة وغير المألوفة، فإبداع كمال كان حراً طليقاً لا يقيده قيد، لا فى شكله ولا فى موضوعه.
- وآخر ما نتطرق إليه من ذلك، هو شعره الوطنى، فقد أبدع كمال الكثير من هذا الشعر، وكان شعره الوطنى حاضراً فى مختلف المناسبات الوطنية، مما أهّل هذا الشعر لأن يكون من أقوى وأجمل ما يغنى فى المناسبات الوطنية.
من ذلك أُغنيته الشهيره: دع سمائى، التى غنتها المطربة فايدة كامل (أيضاً)، عند وقوع العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، والتى أصبحت على كل لسان، وكانت من أقوى أسلحة ردع هذا العدوان.
تقول كلمات هذه القصيدة:
دَع   سمائـى   ..   فسمائــى   مُحرقــه
دع    قنالــى   ..    فمياهــى   مُغرقــه
واحــذر  الأرض   فأرضى   صاعقــة

هذه   أرضى   أنــــا          وأبى    مات   هنــا
وأبى   قـــال    لنـــا          مزقـــوا    اعداءنــا
...
أنــا    شعــب    وفدائــى    وثــورة
ودم    يصنــع    للإنســان    فجــره
لن   ترانى   نازفاً   آخــر    قطــره

وستبقى  مصر  حرة ..  مصر حرة