‏إظهار الرسائل ذات التسميات 8.الفصل السابع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 8.الفصل السابع. إظهار كافة الرسائل

الفصل السابع: الشاعر الكاتب الفنان: عبد الرحمـن الخميسى

بقلم الشاعر: محمود توفيق

عبد الرحمن الخميسى .. وأيام معه

بقلم الشاعر: محمود توفيق.


فى سنة 1945 كنت طالباً مستجداً بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، وكان عبد الرحمن الخميسى نجماً بازغاً فى سماء الأدب والشعر، إذ كان من الكتاب اللامعين فى جريدة المصرى السيارة، وكان من الكتاب المشرفين على الصفحة الأخيرة، صفحة الأدب والفن بتلك الصحيفة، مع سعد مكاوى، وزكريا الحجاوى، وآخرين. وكانت شهرتة كشاعر وكاتب قد بدأت تطبق الآفاق، بحيث كان آلاف القراء ينتظرون كل أسبوع ما يكتبه من القصائد أو القصص القصيرة أو المقالات أو الصفحات من صياغته الجديدة لكتاب ألف ليلة وليلة - الشهير.
وكنا - أنا وعدد من زملائى المقربين فى الكلية، منهم كمال عبد الحليم، الشاعر الشهير فيما بعد، واسماعيل صبرى عبدالله - الوزير والقائد اليسارى - فيما بعد، وناهيد أبو زهرة - الشاعر والمستشار - فيما بعد، وكامل زهيرى - الصحفى ونقيب الصحفيين - فيما بعد، وعبد الماجد أو حسبو - الشاعر والوزير السودانى - فيما بعد، كنا نلتقى فى بوفيه كلية الحقوق، لنتحدث فى أوقات فراغنا من المحاضرات، وكان من أهم ما نتناوله فى أحاديثنا، أخبار، وقصائد، وكتابات عبد الرحمن الخميسى، المنشورة فى ذلك اليوم.
كان الخميسى معروفا لنا ولغيرنا من الطلاب، وكنا نراه أحياناً وهو سائر فى الطريق إلى كلية الآداب المجاورة، إما لحضور محاضرة، أو لإلقاء محاضرة، أو لإلقاء بعض أشعاره، وكان يلتف حوله فى دخوله أو خروجه، العديد من الطلبة والطالبات، المعجبين والمعجبات، إما بأدبه وشعره، وإما بحديثه الشيق، وإما بوسامته وأناقته.
كنت آراه من بعيد لبعيد، ومن حين إلى حين، ولكنى لم أكن قد تعرفت عليه شخصياً، وإن كنت متابعاً لأخباره وآثاره الأدبية.
ومرت سنوات كثيرة، وحدثت متغيرات كبيرة فى حياتى وحياة البلاد. حتى كان العام 1951، حيث عرفت أن الخميسى قد أصبح شيوعياً، وأنه انضم إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى، التى كنت أنتمى إليها. ثم عرفت بعد ذلك أنه قد اشترك فى انقسام (التيار الثورى) الذى كان قد وقع فى تلك الحركة برئاسة الرفيق بدر، سيد سليمان رفاعى، الذى كان سكرتيراً عاماً للحركة.
وبعد عامين آخرين، فى سنة 1953، بعد قيام ثورة يوليو 1952، عرفت أن الخميسى قد ألقى القبض عليه مع آخرين فى تلك الحركة، وأنه مقدم للمحاكمة أمام إحدى المحاكم العسكرية بتهمة الشيوعية، ثم علمت أنه قد صدر حكم ببراءته من الاتهام، غير أنه قد استمر حبسه بعد ذلك على سبيل الاعتقال.
استمر حبس الخميسى معتقلاً لعدة سنوات، حتى أصبح الشاعر محمد أحمد محجوب، صديق الخميسى، رئيساً لوزراء السودان. ولم يتأخر محجوب عن نجدة صديقه، بل حضر إلى مصر، وسارع بالذهاب للقاء جمال عبد الناصر فى مكتبه، وحدث الآتى:
- بعد تبادل السلام والتحيات، جلس محجوب صامتاً لا يتكلم، وقد بدا عليه الحزن والغضب، وتنبه عبد الناصر لذلك، فسأله:
- مالك، زعلان ليه؟
واستمر محجوب فى تجهمه، وقال كلمة واحدة:
- الخميسى.
وفهم جمال الموقف، وقال:
- ماله الخميسى. واحد شيوعى واعتقلناه، فيها إيه دى؟
ولم يرد محجوب على السؤال، ولكنه قال فى حزم:
- علىّ الطلاق ما أنا ماشى من هنا إلا إذا أفرجت عن الخميسى. وأضاف، وإذا كنتم مش عايزينه هنا فى مصر، أنا آخده معى للسودان.
وضحك جمال عبد الناصر، وأصدر أمراً عاجلاً بالافراج عن الخميسى.
ولم يسافر محجوب إلا بعد أن زار الخميسى فى منزله بعد الافراج عنه، وتناول معه العشاء - لحمة راس كان هووالخميسى من محبيها.
وظللت أنا سجينا حتى آخر عام 1959، حيثم أصدر عبد الناصر - بعد تدخل من يوسف صديق - قراراً بالافراج عنى بعفو صحى.
وخرجت من السجن، والتقيت بالخميسى شخصياً وجهاً لوجه، ونشأت بيننا صداقة ومحبة وطيده. وكانت إقامتى على مقربة من محل اقامته بحى عابدين، فكنا نتلاقى يومياً فى كثير من الأحيان.
عاصرت الخميسى وهو يقوم بعمل غريب، كلفه به الدكتور ثروت عكاشه، وزير الثقافة فى ذلك الحين، وهو تعريب أوبريت "الأرملة الطروب"، من اللغة الفرنسية - إلى اللغة العربية الدارجه، بحيث يتم أداؤها بنفس الألحان، وهو عمل شديد الصعوبة، ولم يسبق لأحد فى مصر أن قام بمثله. ودأب الخميسى على أداء هذا العمل باصرار وصبر طويل، حتى أنجزه على أكمل وجه، وتم تقديم الأوبريت على مسرح الأوبرا ببطولة رتيبه الحفنى، ولقيت نجاحاً باهراً.
ثم عاصرت الخميسى، وهو يطرق بنجاح، أبواب العمل الصحفى، والمسرحى، والسينمائى، والموسيقى، على اختلاف ضروبها وألوانها، متنقلاً فيها من نجاح إلى نجاح.
وكان الصديق الشاعر عبد الماجد أبو حسبو، قد عين وزيراً للثقافة فى السودان، فى وزارة الشاعر محمد أحمد محجوب، فوجه إلينا دعوة منه لزيارة السودان، أنا والخميسى، ورجاء النقاش - الأديب والناقد الأدبى والفنى المعروف - فذهبنا إلى هناك فى فبراير سنة 1968. وكانت زيارة حافلة بألوان الحفاوة والمودة من جانب الصديقين الشاعرين، وزير الثقافة، ورئيس الوزراء، ومن جانب الوسط الثقافى والأدبى فى الخرطوم كلها. وهناك رأيت وجهاً آخر من وجوه نبوغ الخميسى وقدراته، وما يحظى به من القبول الجماهيرى، سواء فى مصر أو فى السودان، بل وفى العالم العربى كله.
قضينا أسبوعين فى لقاءات واحتفالات أدبية وإنسانية حميمة، كان الخميسى فيها نجماً ساطعاً من الحضور والتألق.
ثم عدنا إلى مصر، واستأنف الخميسى فيها نشاطه الأدبى والفنى، المتواصل، والمتعدد الوجوه.
ثم سافر الخميسى فجأة إلى العراق، مدعواً للعمل فيه من جانب صديقه طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الثقافة العراقى حينذاك.
وظللت أتابع نشاطه ونجاحاته هناك، وما أحرزه من مكانة على المستوى الأدبى والفنى، كما على المستوى الشخصى، إذ سرعان ما أصبح نجماً ساطعاً فى الحياة الثقافية والاجتماعية العراقية، كما كان حاله فى السودان.
ودعانى الخميسى للذهاب إلى بغداد لزيارته هناك، وتعددت دعواته لى فذهبت إلى هناك فى ضيافة الخميسى، وفى ضيافة طارق عزيز طيب الله ثراه، ولمست عن قرب مدى ما حققه الخميسى هناك من نجاحات.
ثم مرت أيام وأعوام، وانتقل الخميسى من بغداد إلى موسكو بدعوة من الجهات الأدبية والثقافية فيها، وكنت أنا قد التحقت بالعمل مستشاراً قانونياً لمنظمة التضامن الافريقى الآسيوى التى كان يرأسها عبد الرحمن الشرقاوى، وسافرت إلى روسيا للمشاركة فى اجتماع كان مقرراً عقده للجان التضامن السوفيتية فى تبليس عاصمة جورجيا. وفى الطائرة من موسكو إلى تبليسى رأيت عبد الرحمن الخميسى فجأة على غير ميعاد، رأيته فى الطائرة واقفاً أمامى بطوله الفارع وأناقتة المعهودة، ورأيته يضع على صدره وساماً ذهبياً عليه صورة لينين، وهو الوسام الشهير الذى كان ارفع وسام فى الاتحاد السوفيتى، والذى لم يكن يُمنح إلا لقلة محدودة من النابهين من أبناء و أصدقاء الدولة السوفيتية، وعرفت أن الخميسى كان فى طريقه لحضور مؤتمر التضامن فى تبليس، بدعوة من رئاسة المؤتمر، الذى كان يرأسه الرفيق ابراجيموف، رئيس اتحاد الكتاب فى الاتحاد السوفيتى. الذى كان قد أصبح صديقاً للخميسى.
قضينا عدة أيام فى المؤتمر، وشارك الخميسى فيه، وكان يلقى التكريم والحفاوة حيثما توجه فى المؤتمر أو خارجه، ولم يكن أحد من مئات الحاضرين يحمل وسام لينين على صدره إلا الخميسى، وإلا واحداً من الروس كان بطلاً من أبطال الاتحاد السوفيتى.
ولقيت الخميسى مرة أخرى فى موسكو حيث كنت هناك لحضور مؤتمر آخر من مؤتمرات التضامن. وعلم الخميسى بوجودى، وكان هو مقيماً هناك منذ عدة سنوات، وكان قد داهمة مرض القلب ويعالج منه بمعرفة الأطباء السوفييت، فبادر بالاتصال بى، ودعانى إلى منزله فى موسكو، وكانت درجة الحرارة يومها هى 10 درجات تحت الصفر، وكان الخميسى قد أعد لى عشاء مصرياً هو أرانب بالملوخية.
وفى هذا اللقاء عرضت على الخميسى العودة إلى مصر، وكنت قد تحدثت مع أخينا العزيز عبد الرحمن الشرقاوى، فى ذلك الأمر، فوعد بالتدخل لدى الرئيس حسنى مبارك للحصول على موافقة من السلطات على عودة الخميسى، وعرضت الأمر على الخميسى، فلم يقبل ولم يرفض، ولكنه وعدنى بالتفكير فيه وابلاغى بالرأى الذى ينتهى إليه.
لم أر الخميسى بعد ذلك لحين وفاته. وبدلاً من أن أراه شخصياً رأيت نعشه فى مسجد عمر مكرم بعد أن أحضره أبناؤه من موسكو بعد وفاته.
جلست فى المسجد بين المعزين، وأنا أنظر إلى النعش المسجى، واسترجع كل ذكرياتى عن الخميسى، ومع الخميسى. ووجدت نفسى تجيش بالشعر، عندها بدأت فى انشاء قصيدتى فى رثاء عبد الرحمن الخميسى التى كان مطلعها:

هــذا هو النيـلُ  فانْهَلْ  من  مَــواردهِ       وكفكفْ  الدمعَ .. وأرحمْ  قلبكَ العانـى

وهذه  مِصــرُ  قد  أرخَــتْ غدائرهــا      واستقبلتــكَ    بأشـــواقٍ    وأشجــــان



وبعد يومين، كانت القصيدة قد نشرت فى الصفحة الأدبية بجريدة الأهرام.


بقلم: أحمد الخميسى

عبد الرحمن الخميسى

حيــاة شاعــر
بقلم: أحمد الخميسى


" عشت أدافع عن قيتارتى فلم أعزف ألحانى" هذه العبارة التى أطلقها الشاعر عبد الرحمن الخميسى ذات مرة ليصف حياته، جاءت بتصوير دقيق لحياة ذلك الشاعر الرومانسى الكبير الخصبة التى تقلب فيها بين مختلف ألوان الفن مبدعا فى الشعر والقصة والمسرح والتمثيل والصحافة والتأليف الإذاعى والإخراج السينمائى وتعريب الأوبريت بل وتأليف الموسيقى والأغانى كتابة ولحناً، ومذيعا عرف بأنه " صاحب الصوت الذهبى"، وبالرغم من كل تعدد ألوان إبداعه إلا أنه ظل شاعرا فى المقام الأول طوال حياته وخلال كل ما أبدعه.
ولد عبد الرحمن الخميسى (عبد الرحمن عبد الملك الخميسى مراد) فى 13 نوفمبر عام 1920 بمدينة بورسعيد لأم حضرية هى عائشة أبو الحسن وأب فلاح متوسط الحال من قرية منية النصر بالمنصورة. ويقول الخميسى عن نشأته: " كانت والدتى تمثل المدينة الساحلية المصقولة المضاءة بالكهرباء، وكان أبى يمثل الحقل غير المهذب حواشيه، لكنه يفوح برائحة النمو .. ولم يكن من المستطاع أن يعيش النقيضان تحت سقف واحد، فتم بينهما الانفصال، وضيعانى وأنا طفل صغير ". وعندما بلغ الخميسى السادسة اختطفه والده من بورسعيد وأرسله إلى مدرسة فى قرية الزرقا، ثم إلى مدرسة القبة الثانوية بالمنصورة لكنه لم يكمل دراسته بها. ويحكى الخميسى فى مقال كتبه لمجلة "كتب للجميع" فى أبريل 1960 أن أول نشاط فنى له وهو صبى فى نحو العاشرة كان حشد الصبية فى بيته ذات ليلة والاتجاه بهم إلى مقابر الأثرياء فى القرية لخلع أخشاب المقابر من أجل بناء مسرح للفقراء !. وكانت تلك الحادثة إشارة إلى وعى الخميسى المبكر بالفروق الاجتماعية الصارخة. وفى سن مبكرة بدأ الخميسى يكتب الشعر ويرسل قصائده من المنصورة فتنشرها كبرى المجلات الأدبية حينذاك مثل "الرسالة" للأستاذ أحمد حسن الزيات، و "الثقافة" للأستاذ أحمد أمين، ثم استقر قراره على الانتقال للقاهرة عام 1936، ولم يكن له بها سند أو قريب، وفيها أجبرته الظروف على العمل بائعا فى محل بقالة وكومسارى ومصححا فى مطبعة ومعلما فى مدرسة أهلية والنوم على أرائك الحدائق، كما جاب الريف مع فرقة " أحمد المسيرى" المسرحية الشعبية التى كان صاحبها يرتجل النصوص، وكان عند رجوع الفرقة من جولاتها يكتب الأغانى فى شارع محمد على بأسم مؤلفين آخرين نظير مبلغ زهيد. وفى فترة متأخرة دخل إلى عالم الصحافة بانضمامه إلى جريدة المصرى لسان حال الوفد قبل ثورة 1952، وأصبح الخميسى خلال سنوات معدودة "أكثر الكتاب المصريين شعبية" حينذاك كما يشير الدكتور سيد أبو النجا بعد استفتاء تم تحت إشرافه. وكان يكتب فى المصرى عموداً ثابتا بعنوان "من الأعماق". ولمع الخميسى شاعرا من شعراء الرومانسية ومدرسة أبوللو بروادها الكبار: على محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجى، وغيرهم. وفى بداية الأربعينات تأثر الخميسى تأثرا بالغا بكاتبين عملاقين: الأول شاعر الرومانسية الثورية الكبير خليل مطران، والثانى سلامة موسى الذى قاده إلى رحاب الفكر الاشتراكى. ويقول الخميسى فى مقال له بأن هناك ثلاثة وقفوا إلى جانبه: "كان أهل قريتى هم أول أولئك الثلاثة .. فقد اخذوا يستقبلون محاولاتى فى نظم الأزجال وقصائد الشعر بحب جم وسرور فائض .. وثانى الذين وقفوا إلى جانبى وشدوا أزرى هو أستاذى العظيم المرحوم خليل مطران حين جئت من الريف إلى القاهرة عام 1936 .. والثالث سلامة موسى: "أول من وجهنى إلى فهم الصلة بين الفن والعلم وأنه أن لم تكن لهما وظيفة إجتماعية فقد انعدمت فائدتهما للناس". وفى سنوات ما قبل ثورة 52 أخذت تظهر مجموعات الخميسى القصصية التى صورت طموح المجتمع المصرى وخاصة الطبقات الفقيرة إلى عالم جديد. وارتبط الخميسى فى سنوات ما قبل ثورة يوليو باليسار حركة واتجاها وفكرا بحكم تعاطفه العميق مع الطبقات الشعبية وأحلامها. وعندما قامت ثورة يوليو، أغلقت صحيفة المصرى لسان حال الوفد حينذاك، اعتقل الخميسى وظل رهن الحبس من يونية 1953 حتى منتصف ديسمبر 1956 نظرا لموقفه الداعى للتشبث بالحياة الحزبية الديمقراطية، وارتباطه بلجنة الفنانين اليسارية، وبعد الإفراج عنه التحق بجريدة "الجمهورية" لكن الحكومة قامت فيما بعد بنقله فيما يشبه العزل السياسى مع مجموعة من أبرز الكتاب إلى وزارات مختلفة وكان نصيبه منها وزارة التموين، فألف فى تلك الفترة فرقة مسرحية بأسمه كتب وأخرج أعمالها ومثل فيها وجاب بها المحافظات، كما كتب للإذاعة عدة مسلسلات لاقت نجاحا خاصا أشهرها "حسن ونعيمة" التى تحولت لفيلم واعتبرها النقاد "قصة روميو وجولييت" المصرية، ثم انتقل إلى تعريب الأوبريتات فى تجربة كانت الأولى من نوعها فى تاريخ المسرح الغنائى خاصة أوبريت "الأرملة الطروب"، وألف العديد من الأوبريتات المصرية، ثم انتقل إلى تأليف وإخراج الأفلام السينمائية. وإلى جانب ذلك كله كان الخميسى يواصل دوره الصحفى، والأدبى فى مجال القصة والشعر، ومهد الطريق لمواهب كبرى مثل يوسف إدريس، واكتشف طاقات أخرى مثل الفنانة سعاد حسنى وغيرها، وترك أثرا خاصا بدوره فى فيلم الأرض ليوسف شاهين. ومع تولى الرئيس السادات الحكم أعيد الصحفيون المعزولون إلى صحفهم وبرجوع الخميسى إلى جريدة الجمهورية كان أول ما نشره سلسلة من المقالات منع نشر ما تبقى منها، وبعدها هاجر الخميسى من مصر فى رحلة طويلة من بيروت إلى بغداد ومن بغداد إلى ليبيا ومنها إلى روما ثم باريس ثم موسكو، وعام 1981 أصدرت "محكمة القيم" التى استحدثت حينذاك فى جلسة لها بتاريخ 15 نوفمبر 1981 حكما بإسقاط الحق المدنى لعبد الرحمن الخميسى، وقضى فى موسكو ما تبقى من سنوات حياته حتى وفاته فى أبريل 1987، فنقل أبناؤه جثمانه ليدفن فى المنصورة حسب وصيته الأخيرة. وباعتراف أبناء جيله جميعا كان الخميسى شخصية جذابة وفريدة، وعلى حد قول أحمد بهجت قام الخميسى بدور فى: "تنوير الحياة الأدبية يشبه دور برتراند راسل فى المجتمع الإنجليزى"، وقال عنه يوسف إدريس إنه "أول من حطم طبقية القصة"، وأنه: "عاش قويا عملاقا مقاتلا إلى ألف عام"، وكتب أحمد بهاء الدين قائلا: "دهشت عندما قرأت فى نعيه أنه توفى عن سبعة وستين عاما فقط وكنت أظنه أكبر من ذلك لكثرة ما أنتج وكثرة ما عاش، وكثرة ما سجن، وكثرة ما سافر فى أنحاء الدنيا، وكثرة ما ترك من الأبناء والبنات فى شتى عواصم العالم". وقال عنه الشاعر والكاتب كامل الشناوى فى تقديمه لديوانه الذى يضم مجموعتيه "أشواق إنسان" و "دموع ونيران": "كلما تذكرت حياة الخميسى تذكرت كلمة الفيلسوف الألمانى نيتشه: ليكن شعارك فى الحياة أن تعيش فى قلق، وأن تقيم فوق بركان". ويرى الناقد الدكتور محمد مندور أن الخميسى شاعر وجدانى فى كل شعره، سواء كان الوجدان ذاتياً أو جماعياً أو قومياً، وأنه: "قد بلغ بشعره حدّ السحر، كلما تحدث عن ذاته وأشواق روحه وآماله وآلامه كإنسان".
وقد ترك الخميسى تراثا فى مختلف حقول الفن، وعد بذلك ظاهرة فنية وثقافية متعددة الفروع والتأثير.


أعمال الخميسى :
- فى الشعر ترك الخميسى سبعة دواوين شعرية هى: الدواوين: "أشواق انسان" - مايو 1958 القاهرة - ثم "دموع ونيران" -1962 القاهرة - ثم "ديوان الخميسى" - دار الكاتب العربى 1967- ثم "ديوان الحب"   1969القاهرة - "إنى أرفض؟" - بيروت - "تاج الملكة تيتى شيرى"  1979 بيروت - "مصر الحب والثورة" - 1980 بيروت.
وقد اعتبره الدكتور لويس عوض: "آخر الرومانسيين الكبار" وأشار إلى قصيدته "فى الليل" معتبرا أنها "من أروع ما نظم شعراء العربية". واعتبر د.محمد مندور أن الخميسى "بلغ بشعره حد السحر".
- وفى القصة توالت مجموعاته القصصية بعد أن أعاد صياغة "ألف ليلة وليلة الجديدة" على صفحات المصرى وصدرت فى جزئين، ثم ظهرت مجموعته الأولى "من الأعماق" ثم "صيحات الشعب" فى نوفمبر 1952، ثم "قمصان الدم" مارس 1953، و "لن نموت" مايو 1953 ثم، "رياح النيران" مكتبة المعارف بيروت أبريل 1954، و "ألف ليلة الجديدة" و "دماء لا تجف" فى نوفمبر 1956، "البهلوان المدهش" أكتوبر 1961 (الكتاب الذهبى روز اليوسف)، وأخيرا "أمنية وقصص أخرى" (الكتاب الماسى) عام 1962 وكانت تلك آخر مجموعة قصصية له، فلم يعد إلى فن القصة. وله أيضا قصة طويلة لم تطبع نشرت فى المصرى أواخر الأربعينات تحت عنوان "الساق اليمنى".
ويكتب الدكتور سيد حامد النساج فى كتابه "اتجاهات القصة المصرية القصيرة" أن القصة القصيرة الواقعية توارت طوال الثلاثينات وأوائل الأربعينات، وحل محلها اتجاه رومانسى سيطر على وجدان كتابها ومنهم محمود كامل وإبراهيم ناجى ويوسف جوهر وصلاح ذهنى ويوسف السباعى وإحسان عبد القدوس وغيرهم .. أما كاتب القصة الذى يعتبر مثالا للرومانسية الثورية التى لم تحل دونه ودون نقد الأوضاع الطبقية والوقوف مع المظلومين ضد الظالمين .. فإنه عبد الرحمن الخميسى فى قصصه القصيرة التى كتبها منذ أواخر الأربعينات حتى الستينات، مما جعل رومانسيته تحمل هذا الطابع الثورى الإيجابى متأثرة بحركة المجتمع. وقد أكد الدكتور على الراعى نفس المعنى. وفى نفس المضمار أشار يوسف إدريس إلى أن الخميسى "حطم طبقية القصة القصيرة".
- فى المسرح شكل الخميسى فرقة مسرحية بأسمه فى 21 مارس 1958 وقدمت عرضها الأول على مسرح 26 يوليو الصيفى بثلاث مسرحيات قصيرة من تأليف الخميسى وإخراجه وتمثيله وهى "الحبة قبة"، و "القسط الأخير" و "حياة وحياة". ثم قدمت فرقته مسرحية "عقدة نفسية" المترجمة عن الرواية الفرنسية "عقدة فيلمون" لمؤلفها جان برنار لوك واقتبسها للمسرح الانجليزى جون كلمنتس وسماها "الزواج السعيد" ثم مصرها أحمد حلمى لفرقة الخميسى. وكانت عزبة بنايوتى تأليف محمود السعدنى ثالث عروض الفرقة، وفيها قام الخميسى بدور كشف عن طاقاته كممثل بارع. وقدمت الفرقة بعد ذلك عملها الرابع والأخير وهو "نجفة بولاق" تأليف عبد الرحمن شوقى فى مارس 1961، وجابت الفرقة محافظات القاهرة، ثم توقفت بسبب الظروف المالية.
- فى مجال الأوبريت اتجه الخميسى إلى تعريب الأوبريتات وكتابتها، فقدم "الأرملة الطروب" عام 1961، التى وضع موسيقاها الموسيقار المجرى فرانز ليهار عام 1905 وعرضت فى نفس العام فى فيينا، وهى من تأليف "فيكتور ليون" و "ليوشتين". وتمكن الخميسى مع الالتزام بالترجمة الشعرية الدقيقة للنص الأصلى من اختيار وضبط الكلمات العربية شعرا على مقياس الوحدات الموسيقية والألحان الأصلية التى وضعها فرانز ليهار. وقدم الخميسى تجربة ثانية مماثلة من تعريبه أيضا هى أوبريت "حياة فنان" تأليف الموسيقار الانجليزى ايفون نوفيللو، وكان اسمها الأصلى "السنوات المرحة" وتم عرضها بدار الأوبرا فى مطلع شهر ديسمبر عام 1970، وكلفت وزارة الثقافة المخرج النمساوى تونى نيسنر الذى أخرج من قبل "الأرملة الطروب" بإخراجها. وقدم الخميسى للمسرح الغنائى مسرحية من تأليفه هى أوبريت مهر العروسة عن تأميم قناة السويس ونشر الفصل الأول منها فى الجمهورية فى 27 مايو 1961، وعرضت فى 2 أبريل عام 1964، وفى 29 يوليه 1963 وقع الخميسى عقدا مع المؤسسة العامة للمسرح والموسيقى قدم بموجبه أوبريت جديدة من تأليفه هى الزفة لكنها لم تعرض. وخاض غمار كتابة أوبريت جديدة هى "عيد الحبايب"، وصرح للصحف حينذاك بقوله "نريد أن نحدث ثورة فى المسرح الغنائى مبنية على أسس فنية وتحمل فى نفس الوقت أيديولوجية متقدمة". كما خطط لكتابة أوبريت مشترك مع الشاعر التركى العالمى ناظم حكمت عن تاريخ كفاح الشعب المصرى وذلك عندما التقى الفنانان فى مؤتمر لكتاب آسيا وأفريقيا فى القاهرة فى فبراير 1962، لكن الظروف الشخصية للشاعرين حالت دون تحقيق ذلك الحلم.
وكتب محمود السعدنى فى يناير 1964 بصباح الخير أن "مهر العروسة ستظل المفتاح السحرى الذى فتح أبواب المسرح الغنائى المصرى".
- فى السينما قدم الخميسى أربعة أفلام شارك فى وضع قصصها وسيناريوهاتها وألف الموسيقى التصويرية لبعضها ومثل فى بعضها الآخر وهى: "الجزاء" 1965 بطولة شمس البارودى وحسين الشربينى - "عائلات محترمة" عام 1968 حسن يوسف وناهد شريف - "الحب والثمن" أكتوبر 1970 أحمد مظهر زيزى البدرواى - "زهرة البنفسج" 1972 زبيدة ثروت وعادل إمام - كما قدم للسينما اكتشافه الرائع "سعاد حسنى" فى فيلم حسن ونعيمة الذى كتب له السيناريو، كما قام بأداء دور الشيخ يوسف فى فيلم "الأرض" ليوسف شاهين.
- فى النقد قدم كتاب "الفن الذى نريده" - الدار المصرية عام 1966، وكتاب "مناخوليا - محاورات ونظرات فى الفن" - وكتاب "المكافحون" وهو سير حياة لعظام مثل عبد الله النديم وغيره صدر عن مطبوعات المصرى فى سبتمبر 1951.
- فى الترجمة ترجم مختارات من أشعار ووردزورث، وكيتس، ثم مختارات من القصص العالمية تحت عنوان "يوميات مجنون" صدرت فى كتب للجميع ما بين 1951 - 1952، ثم مختارات من الشعر السوفييتى عام 1985 صدرت عن دار رادوجا الروسية، ثم الصهيونية غزو بلا سلاح للكاتب فلاديمير بيجون - بيروت عام 1985.

وفى النهاية فقد ترجمت أعمال الخميسى إلى لغات عديدة منها الإنجليزية والروسية والفرنسية وغيرها وكانت موضوعا لرسائل الدكتوراه فى جامعات أوربية عدة.

قصيدة " رحيل البلبل

قصيدة "رحيل البلبل" (1)

فى رثاء الشاعر الراحل عبد الرحمن الخميسى - للشاعر: محمود توفيق


هــذا هو النيـلُ  فانْهَلْ  من  مَــواردهِ        وكفكفْ  الدمعَ ..وأرحمْ  قلبكَ  العانى

وهذه  مِصــرُ  قد  أرخَـتْ  غدائرهــا        واستقبلتــكَ    بأشــواقٍ    وأشجـــان

تَلقـى  فتاهــا  الـذى  شاقَتْـهُ  فتنتُهــــا         فأرسلَ  الروحَ  فى  أشواق إنسان(2)


تلقــاك   فى  لوعة  العشــاق   ساكبـةً         دمـعَ الجــوى  بين هطـالٍ  وهتــان

كانـت  تُبثُـكَ  فــوق  البُعــــدِ  لهفتهــا        فاقطُفْ ثِمارَ الهوى من قُرِبْها الدانى

       ..    

فيِثارةُ  الشِعـرِ  ناحــتْ  من  فجيعتهــا        ورَّبةُ  الفَـنَّ أجـرتْ  دمعَهـا القانــى

فَمَنْ  سِواكَ  يفيـضُ  الشعرُ  منسكبــاً        من  قلبـه .. نبــعَ أشــواقٍ  وألحـــان

ومَنْ  يَــرُدُّ  القوافـى  بَعــد  غُربتهـــا         ويبعـثُ  الـروحَ فى  نَظــمٍ  وأوزان

ومَنْ  يَجـوبُ  ريـاضَ  الفَـنِّ  مجتليــاً        بدائع  الـروضِ  من وردٍ  وريحــان

كأنـه   البلبــلُ    الغِرِّيــدُ    منطلقــــاً        على جَناحيــن  مِنْ  وجدٍ  وحرمــان

       .. 
   
يا بُلبُل الروضِ ما للروضِ قد رَزَحتْ         أَفنانُـه  تحـتَ   أرزاءٍ  وأحــــــزان

ومـا   لأزهــاره   أودى  الصقيـعُ  بهـا        فَصَوَّحَتْ  فـوق أعــوادٍ وأغصــان

ومـا  لأطيــارِهِ  عـن  أيكهـا  رَحَلَـــــتْ        فأقفــرَ الأيــكُ من شــدوٍ  وتحنــان

كنــا  وكنتَ  .. وكان  الـروضُ  مؤتِلقاً        بناضــرٍ من  بديـع  الحُســنِ فتـــان

وكانَ  عِشْـقُ  الهـوى  والفَنِّ  يَجمُعنـــا        وليـسَ كالعشـــقِ  من  زادٍ لفنــــان

وفـى   الجوانـحِ   داءٌ   لا   دواءَ   لـــه       من حُبِّ مصرَ.. ومن صَدٍ وهجران

تقسـو  علينا   ونَشقَى   فى  مَحَبَّتهـــــا       ونفتديهــا  بقلـبِ  العاشـقِ  الحانـــى

       ..    

من  لى  بنَفحَةِ   صَفــوٍ   من   مَحَبَّتِنـا      كأنهــا   دفقـةٌ   من  عِطــرِ   بُستــان

وبسمةٍ  من  شغافِ  القلب  قــد  بَرِئَتْ       بها  المشاعــرُ  من  زيِـفٍ  وبُهتــان

ونظــرةٍ  كشعــاعِ   الشمــسِ   مشرقـة      عَلى  الوجــودِ   بأضــواءٍ   وألــوان

وبهجـةٍ    من   حــــديـثٍ   لا   يُماثلـه      فى حُسنْهِ  نظـمُ  ياقـوتٍ   ومَرجــان

كأنه   الجـدولُ   الرقــراقُ    منسجمــا      أو نشوة  الراحِ  فى  أعطافِ  ظمـآن

       ..    

ياصاحبى   وعَزيزُ  الدَمــع   مُنسكبٌ       والقولُ  ينبعُ  من  روحى  ووجـدانى

بِمَنْ  أماتك .. لا  أهلٌ   ولا  وطـــــنٌ       سوى  مُحبيكَ  من  صَحبٍ  وخِـــلاَن

الباذليـنَ   لكَ  الــــــوُدَّ  الجميـلَ  وقــدْ       نأتْ  بكَ  الـدارُ عن  أهلٍ  وأوطــان

والعارفـــينَ  لك  القــدرَ  الجليلَ  فـإنْ       تخاذلَ الدهرُ .. لم  يرضوا  بخُــذلان

ما خُنْتُ  عهدَكَ  يَوما ..أو غَدرتُ  بهِ       ولا  تَخَلَّيـتُ  عن  حُبِّــى  وعِرفانـــى

فأنتَ  فى  القلبِ  شجـــوٌ  لا  يبارِحهُ      وأنتَ فى  القلب  أنتَ .. النازِحُ  الدانى

_________________________________________

(1) ديوان: قصائد فى الحب والحزن.         (2)  أشواق إنسان – اسم ديوان للشاعر عبد الرحمن الخميسى.

قصائد من شعر عبد الرحمن الخميسى

قصائد من شعر

عبد الرحمن الخميسى


(1)

مصر


كسروا  يراعى  ولكنى

حفرت على جدران مصر

 أناشيدى  بأظفارى،

دمي هنالك  مكتوب

وإن طمسوا حروفه

أج في الظلماء  كالنار

وحيث هم  صلبونا

كلما  بزغت  شمس

رأي الناس فيها لون أشعارى!

________________________



(2)

صرخة


علامَ  أضحكُ  والآفــــــــاقُ  باكيةٌ            والشمسُ  تحجُبها  الأنواءُ  والظُّلَـــمُ

والريحُ قد زَأَرَتْ فى السهلِ فاختنقتْ          بها  الأزاهيرُ صَرْعَى  وهى  تبتسِمُ

والسيلُ  يجرفُ  من  يلقاهُ  مُزْدَهِراً            حيًّا،  ويتركُ  من  أَحْرَى  به  العَدمُ

والنارُ  تأكلُ  مــا  اخضَرَّتْ  منابتُهُ            أَمَّا  الهشيمُ  فَتَحْمِى  عُمرَهُ  الرِّمَـــمُ

علامَ  أضحكُ  يا  ويلاهُ  من  زمَنى           وشاطئى  فوقه  الأهوالُ  ترتطــــمُ؟

لكنها  ضِحْكةُ  البركـــــــــانِ  قاذفةً           من  قلبىَ  النارَ  أَذْكى  أَصْلَها  الأَلَمُ

إنى  أقول  لهذا  الظلـمِ  فى  صَلَفٍ:           إشربْ  دمائىِ  .. واثملْ  أيها  النَّهِمُ

وخُذْ .. فهذا  فـؤادى  فى  يدى  قَلِقٌ          واشبعْ .. فهيهات يَغْشَى مهجتى  سَأَمُ

هيهات  تبلغُ  فؤادى  فى  يدى  قَلِقٌ           إِنى  عتىٌ ..  قـوىٌ ..  ثائـرٌ ..  بَـرِمُ

وإِنْ  تُمَزّقْ  ضلوعى  منكَ  صائِبَةٌ           ففى  فَمِىَ  منْ جراحى  بَسْمَةٌ  ودَمُ!

___________________________



(3)

ثورة


مـــاذا   تريـــد  الزَّعْـزَعُ   النكْبَــاءُ            من   راســـخٍ   أكتافُه   شمَّـــــاءُ ؟

تتكسَّرُ  الأحــــــداثُ   تحت   يمينهِ             وتميدُ   من  صرخاتِهِ   الغبــراءُ 

..
ويمزّقُ  الظلماتِ  عن  فجرٍ .. لَـــهُ            فيـه    حيــــاةٌ    عذبـةٌ    ورجـــاءُ

ويــــدكُّ   بالإيمــان   كلّ   كريهــةٍ            وتمــــلُّ   من   أوصالــهِ   الأَدواءُ

ويبيتُ   ينفثُ   قْلَبَهُ   في   شَــــدْوِهِ            فِلَذاً   تهيمُ   بصَوْغِها  الشعــــــراءُ

في   كفِّـــهِ   قَــدَرٌ   كنينٌ   ترتمــي            من   حوله   الأهَـــوالُ   والأرزاءُ

وعلى   يديه   من  الصراع  دمــاءُ             و بناظريــــه    تمــرّدٌ    وإِبــــــاءُ

وبأصغَـــــرَيْهِ   ثــورةٌ   هــوجـــاءُ            تنهارُ   في   تيارهــــا   الـبُـرَحــاءُ

الشوكُ   يا كم   داسَهُ   مُسْتهزئـــــاً            ومشى   تزمجرُ   فوقَهُ   الأَنْــــواءُ

والنارُ   يعبُرها    فتسكن    روحَــهُ            لكــنَّــهـا   في    روحـه    أَنْـــــدَاءُ

والصعبُ   تمحقهُ   خطاه   ولا تَني            تجتازُهُ  ..  مـا  مَـسَّـهـــا  إِعـيــــاءُ

مـاذا   تريد   الزعـزعُ   الـنـكـبــاءُ             من   راسخٍ   أكــتـافُــهُ   شَــمَّـــاءُ

سأردُّهــا    مدحــورةً    مجنـونـــةً             تعوي  ..  فتُعْول   حولها  الأَجْوَاءُ

وأعيشُ  كالبركان  أقذفُ من  فمي             حُمَماً ..  تموتُ   بنــارِها   الأعداءُ

إني  خُلِقْتُ  لكي   أعيش   وينحني             من  حولىَ  الإصباحُ   والإمْسَـــاءُ

أستقبلُ  الفجــــرَ  الوديعَ   مُغـــرِّداً             وتلفنــــى   من   آيه   الأضـــــواءُ

واودّعُ   الليلَ  البهيمَ  تضئ  لــــى             من   حُجْزَتَيْهِ   شُعلةٌ   حمـــــــراءُ

وأكونُ  كالإعصارِ أعصف  بالذى              يعتاقُنـــى،   وتهابُنــى   الأَعبــــاءُ

تتجـدّدُ   الرغبــاتُ   في   نـفـســي              كما   تتجدد   الأكوانُ   والأحيـــاءُ

أنا   ذلك  الجبّــارُ  لا  تعـنــو  لـــه             إلا  المصائبُ   والمنى   القَعْســـاءُ


البابُ   تقرعُهُ   ريـــاحُ   ملـمــةٍ.!             ماذا   تريــد   الزعــزع   النكباء ؟