‏إظهار الرسائل ذات التسميات 6.الفصل الخامس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 6.الفصل الخامس. إظهار كافة الرسائل

الفصل الخامس: الكاتب والفنان: سعد مكاوى




سعد مكاوى، كاتب عملاق، له انتاج وافر فى القصة القصيرة، والرواية والمسرحية، وله أسلوب رشيق جميل، يفيض رقة وعذوبة، حتى أن كل ما كتبه، يرقى إلى مستوى الشعر، وينبع من روح شاعرية أصيلة.
أوردنا فى الرسالة الماثلة، ثلاثة مواد عن العزيز الراحل، سعد مكاوى، نشرت فى ملف خاص عنه، فى مجلة اليقظة العربية عدد سبتمبر 1990، بمناسبة ذكرى وفاته فى أكتوبر 1985.


- كما يتضمن مقالاً للأستاذ عبد الغنى داوود عن سعد، وعبد الغنى أديب وقصاص، ومؤلف وناقد سينمائى ومسرحى معروف، وكان من أصدقاء سعد مكاوى المقربين.

- كما يتضمن الملف قصيدة بعنوان " شهيد الغرام " للشاعر محمود توفيق، كتبها فى رثاء الصديق الحميم، الكاتب الفنان: سعد مكاوى.


- ويتضمن الملف أيضاً، قصة قصيرة للمرحوم سعد مكاوى بعنوان "السور"، هى من آخر وأجمل ما كتبه سعد مكاوى.

كلمة المحرر: محمود توفيق

كلمــة المحـــرر

محمــود توفيــق

هذا هو العدد الأول من الملحق الأدبى والفنى لمجلة اليقظة العربية، نتقدم به إلى القارئ راجين أن ينال بعض رضاه، وآملين أن يصفح عما به من عيوب ونواقص، ترجع أساسا إلى ما يصاحب بداية أى عمل من أوجه القصور.
ونحن نعرف أن نقطة الضعف الأساسية فى هذا العدد من الملحق، هو انه محرر - كله تقريبا - بأقلام مصرية، وهذا مانرجو أن نتلاقاه تدريجيا فى الأعداد القادمة، حتى يكون تحرير هذا الملحق مشتركا، بأقلام عربية من كل الأقطار، غير أن ذلك يتوقف على مدى استجابة الأدباء والفنانين فى سائر الاقطار العربية لدعوتنا إليهم بموافاتنا بالموضوعات والمواد المناسبة للنشر، مع مراعاة الإمكانات المحددة بالحيز المتاح فى هذا الملحق.
يشتمل هذا العدد من الملحق - فيما يشتمل - على ملف عن الكاتب الراحل سعد مكاوى، ونحن نقدم هذا الملف، عن هذا الكاتب، كما سوف نفعل مع غيره من الكتاب والفنانين إن شاء الله، لنشر المعرفة بهم لدى القراء فى مختلف أقطارنا العربية تحقيقا لما نلتزم به من العمل على زيادة التعارف والتقارب والتجانس بين الجماهير العربية، فى سائر أقطارها، فكريا ووجدانيا، من خلال الأدب والفن.
ولكن لماذا نبدأ بسعد مكاوى؟
ليس السبب الرئيسى الذى يدعونا إلى البدء به، هو أن صدور هذا العدد يصادف الذكرى السنوية لميلاده، ويقارب الذكرى السنوية لوفاته، رغم أن هذا صحيح، وليس السبب أيضا أنه كاتب وفنان عظيم، على ما يشهد به إنتاجه، سواء من حيث رفعة المستوى الفنى، أو من حيث سمو المحتوى المعنوى والإنسانى لهذا الإنتاج، رغم أن هذا أيضا صحيح، وليس السبب أيضا أن سعد مكاوى قد ارتفع طيلة حياته، وحتى يوم مماته، بأدبه وفنه، كما ارتفع بنفسه، فوق كل الصغائر، وكل الإغراءات وكل الإحباطات التى أحاطت به من كل جانب، وأنه دفع ثمنا باهظا لذلك، إلى أن خرج من الدنيا وهو لا يملك إلا رصيده العظيم من المجد والشرف.
ولكننا نبدأ بسعد مكاوى، إنصافا له مما حل به من الجور والغبن فى حياته، ليس فقط من الوجهة المادية، بل فى المحل الأول، من الوجهة الأدبية والمعنوية.
يكفى أنه كان يعانى الأمرين - فى السنوات الأخيرة من حياته، وهو فى قمة نضجه وعطائه، فى سبيل نشر كتاب أو رواية، أو حتى قصة قصيرة، فى حين أنه كان فى مستهل شبابه كاتبا ذائغ الصيت، قبل أن يبدأ الكثيرون من كبار الكتاب رحلتهم إلى الشهرة.
ويكفى دليلا على ماحل بسعد مكاوى من الجور والإجحاف، أنه - رغم كل ما قدمه من إنتاج غزير رائع - لم يحصل على أية جوائز من الدولة فى مصر، فى حين منحت جوائز الدولة التقديرية - مرارا - لكتاب عديدين، ممن يسبقهم سعد مكاوى بأشواط بعيدة. ولا يلام سعد مكاوى على ذلك طبعا، إنما الذى يستحق أشد اللوم، هى أجهزة الدولة المختصة بشئون الثقافة فى مصر، وفى مقدمتها المجلس الأعلى للثقافة، بقوانينه ونظمه العاجزة والقاصرة، وبلجانه التى أصبحت مضغة فى الأفواه، لشدة ما تتسم به أعمالها من الهزل والعبث، وقراراتها من خضوع للأهواء والمصالح والدوافع الشخصية، بحيث باتت الحاجة ماسة إلى إصلاح هذه الأوضاع المختلة فى أقرب وقت مستطاع، حفاظا على الأدب والفن والثقافة فى مصر، بل حفاظا على سمعة مصر كلها.

لذلك فنحن نشعر بأن من حق سعد مكاوى علينا، أن نجهر بكلمة الحق والعدل والإنصاف لهذا الكاتب العظيم المغبون، حتى يعرف أبناؤه، وحتى يعرف الجيل الشاب فى مصر وفى العالم كله، أن الدنيا مازالت بخير، وانصاف أبنائها المخلصين، ولو بعد حين.

نقد أدبى - عبد الغنى داود

نقــد أدبــى

عبد الغـــنى داود


الأستاذ عبد الغنى داود – أديب وقصاص،
ومؤلف وناقد سينمائى ومسرحى مصرى معروف،
 وله نشاط واسع فى العديد من المجلات
الأدبية والفنية المصرية والعربية.
____________________________


سعــــــد مكــاوى

(16 أغسطس 1916 – 11 أكتوبر 1985)

كاتب عظيم لم يأخذ حقه

ولد بقرية (الدلاتون) منوفية - وخلال هذه السنين التسع والستين التى عاشها حاول دراسة الطب فى فرنسا.. لكنه سرعان ما تحول لدراسة فلسفة الجمال، وعاد إلى مصر ليعمل بالصحافة فى جرائد "المصرى" ، و "الشعب" ، و "الجمهورية"، وتعرض لمذبحة الصحافة عام 1964 - قدم لنا ثلاث عشرة مجموعة قصصية .. كان من أبرزها قصة (قراريط رضوان التسعة) فى مجموعة، "الماء العكر" التى احتلت الصفحة الأولى فى جريدة "المصرى" يوم 21 فبراير 1952 عندما ضاق رئيس التحرير بالرقابة بعد أن حذفت له أغلب عناوين وأخبار الصفحة الأولى فألغى احتجاجاً على سياسة الحكومة: ومجموعاته القصصية الثلاثة عشرة هى: "نساء من خزف" 1948، و "قهوة المجاذيب" 1951، "مخالب وأنياب" 1953، "راهبة من الزمالك" 1955، "الماء العكر" 1957، "مجمع الشياطين" 1959، "شهيرة" 1961، "الزمن الوغد" 1962، "أبواب الليل" 1964، "القمر المشوى" 1965، "رجل من طين" 1968، "الرقص على العشب الأخضر" 1973، "الفجر يزور الحديقة" 1975، وتنقسم قصص هذه المجموعات إلى ثلاثة ألوان:
اللون الأول: قصص تتناول الحياة فى القرية بفلاحيها وقيعانها وفقرها من أمثال قصة "قراريط رضوان التسعة".
واللون الثانى: قصص تتناول هؤلاء الفلاحين النازحين من القرى إلى قيعان المدن. وكذلك جولات الكاتب فى حانات المدينة وشوارعها من أمثال قصص (عريان بين الذئاب).
واللون الثالث: أغلب قصصه حوارية ذهنية وتجريدية لا يهدف المؤلف بها سوى تناول فكرة مجردة من الأفكار التى تشغله، وهى فى أغلبها قصص شاعرية فانتازية .. بعضها قريب من الخيال العلمى من أمثال قصص (ظل ونور) و (مذكرات أدم). ولا أظننا نتفق مع د. سيد النساج، فى كتابه " القصة المصرية القصيرة" من أن كتابات سعد مكاوى بها سمات الواقعية الانحيازية لا علاقة لها بالواقعية النقدية أو الواقعية الاشتراكية، ولا يمكن أن تنطبق على كاتب فنان يشغل نفسه بالأسرار التى تختفى تحت مظاهر الواقع مثل سعد مكاوى..
فقصصه تعكس صورا عنيفة للحياة والعلاقات الاجتماعية، وتنبض شخصياته بإحساس عميق بالتعاسة .. ربما كان ناتجا عن عدم فهم الأخر، أو يرجع إلى العوامل الاقتصادية البحتة أو يرجع إلى خيبة الآمال كما يتساءل الناقد (نبيل فرج) الذى أجابه الفنان قائلا: (يكاد هذا السؤال الذكى يقول لى: قل لنا يا أخى هل أنت مثالى أم واقعى أم رومانسى.
ومأساة الإنسان المعاصر أفدح من أن تبوب .. وهناك غير العوامل التى ذكرها السؤال عوامل أخرى لها إسهامها أيضاً. فما تعكسه كتابات الكثيرين من كتاب العصر من إحساس البشر بالتعاسة فى هذا العالم المضطرب المتوتر، وتشوفهم إلى حياة أكثر أمنا ورخاء، وتذوق هنئ لحياة جميلة، والبحث مع الناس - عن معبر إلى تلك الحياة الأجمل - ضرورة كل قلم أمين..
وفى عام 1960 يقدم سعد مكاوى روايته الأولى "الرجل والطريق" وهى رواية ريفية مليئة بأسرار النفس الخفية – عموماً – دون غوص فى تحليل ورسم ملامح الشخصيات. وهى رواية شديدة التفاؤل والتطلع إلى المستقبل، وهى من الأعمال القليلة التى تنتهى نهاية سعيدة وبانتصار الخير على الشر دون تقريرية أو فكرة مسيطرة كتبها الفنان مستخدما أسلوب المونولوج الداخلى ببراعة .. لكن تبدو الشخصيات كالأطياف بلا ملامح خارجية قوية فيما عدا شخصية (جليلة) الأرملة القروية الجميلة القادمة من البندر، والقوية الشكيمة والتى كانت تعمل (غازية) قبل أن تتزوج السفاح أثرى أثرياء القرية، ولم يهتم المؤلف بالغوص فى أعماق الشخصيات فيما عدا (جليلة) و (جاد المولى) مفتش التعليم الابتدائى الذى يبدو مترهلا وخاويا من الداخل، ويطمع فى امتلاك الزهرة الرقيقة (صفاء) ابنة الغازية والسفاح، أما البطل (حسن عبد البديع) فهو أقرب إلى الرمز الذى يعبر عن رحلة الوعى والوجدان الإنسانى سعياً وراء طريق الحقيقة، والرواية تخلو من الأبعاد السياسية والأجتماعية وتتناول مضامين جمالية أن تكون أقرب إلى قصص الحب التى تنتهى بالنهاية السعيدة.
ويرى الناقد (رمضان بسطويسى) مجلة "الثقافة" – يوليو 1990، إنها رواية ذات طابع رمزى واضح، تجنح نحو التجريد الدلالى، وأن (التصوف) فى هذه الرواية يتضح فى بحث البطل عن الخلاص من القبح، فاتخذ طريقه للتصوف عن طريق الفن، وأن الواقع هنا بمفهومه المادى مغيب، ولذلك كان هم الكاتب البحث عن الحقيقة فى داخله، والرواية تطرح تساؤلا عميقا هو كيف يعبر الإنسان مفهوم الحقيقة الفردية إلى مفهوم الحقيقة الكونى الشامل وهو مشدود إلى فرديته الأنانية؟ إذا كيف الانتقال والترقى من مقام الخاص إلى العام، من التوقف عند الجزئى إلى التوحد من المطلق).
أما "السائرون نياما" 1965 فهى رائعة الكاتب وعمله الأدبى الفذ الذى يقوم على رؤية كونية سحرية للعالم .. رؤية تاريخية تنمحى فيها الحدود بين الأحياء والجماد .. حيث تكتسب الظواهر خواص وقدرات مميزة .. ملتقطا الأسرار التى تختفى تحت مظاهر الواقع محاولا فك طلاسمه وأحداثه التى لا تخضع للشروط المنطقية أو الاجتماعية محاولا التقاط السر الكامن فى أحشاء الواقع دون أن يجمد نفسه فى تبريره أو شرحه .. والتاريخ عند (سعد مكاوى) فى هذه الرواية وقصتى (الجارية) و (الفجر يزور الحديقة)، وكذلك فى الروايتين التاليتين " السائرون نياما " (الكرباج - لا تسقنى وحدى) .. وهى جميعا أعمال تحمل بذور الواقعية السحرية كوسيلة للتعبير الشعرى عن الحاضر، فهى أعمال مصممة على نسق دقيق مختلف، وتموج بعوالم مليئة بكشوف عميقة تقع على الحدود الفاصلة بين الحلم والواقع.. بين اللحظة الآنية واللحظة المقبلة .. بين عالم الأطياف وعالم الوضوح العقلى .. فقد اختار الكاتب هذه المنطقة لتكون ميدانا لكشوفه، ولذلك كان عليه أن يكتشف شكلا جديداً يمكنه أن يحتوى تلك الكشوف - وليس هذا الشكل هو اللغة وإنما البناء القصصى الذى يمزج فيه - مثله مثل اللغة - بين التعبير الرامز والتعبير المشير إلى واقع بعيد .. بين الصور الخيالية المستعارة من الرمز أو التجرية الصوفية أو الأسطورية. وهو مزيج متميز يقودنا فى النهاية إلى الوعى بمعنى جديد للزمن .. فالإنسان عنده هو هذا الكل التاريخى، إنه محصلة للأزمنة المختلفة التى تعطيه قسماته الحالية .. وهو يصور فى " السائرون نياما" الفترة ما بين 1468- 1499 من تاريخ مصر، فهو يرى أنه لا يمكن رؤية مشاكل الواقع الآتى بدون الرجوع للماضى، وهو يحذرنا مما يتهدد نهضتنا الحاضرة من جاهلية غاشمة يمكن أن تعيدنا إلى العصور المظلمة - أى فترة إرهاب المماليك – فنقع فى مظالم لا يكون مصدرها أعداء أو مستعمرون من خارج البلاد .. بل يكون مصدرها غفلتنا وسلبيتنا وفقدان الذاكرة، وبالرواية طابع كابوسى إلا أن جوهر الرواية ينحو إلى مساندة الإنسان للكشف عن تلك اللحظة التى يتخطى فيها ذلك الكابوس .. تلك اللحظة التى تكشف عن زمن الكاتب الخاص الذى ناله بصفاء النفس والعقل بعيداً عن موجات الاكتئاب المعاصر .. حيث يخرج من عالم الذات الضيقة - رغم رحابه ما يمكن أن يطرح من موضوعات عن علاقة الذات بالعالم - إلى عالم الواقع الاجتماعى، وينتقل من الواحد إلى الكل. ويبرع الكاتب – كما يقول الدكتور (رمضان بسطويسى) (نفس المصدر السابق) فى رسم الخطط المتشابكة لمصائر أبطاله، وكأنه يرسم لوحة تشكيلية لا يهمه فيها لون واحد فى أقسام الرواية الثلاثة (الطاووس)، (الطاعــون)، (الطاحون) وإنما يهتم بالألوان المختلفة بقدر متساو ..
وفى نفس الفترة شارك الفنان فى تقديم ترجمات من اللغة الفرنسية وهى: "اللغة السينمائية"، ورواية "جرمينال" لزولا، ولم تصدر بعد دراساته فى الرواية والقصة فى كتابين بعنوان "صياد الوحوش الناعمة"، و "للحب سبعة أقنعة" كما قدم كتابا عن خمسة موسيقيين غربيين عنوانه "لو كان العالم ملكا لنا" 1963، أما مسرحياته الأربعة "الميت الحى" 1966، "الحلم يدخل القرية" 1972، فتحتشد بالشخصيات الأصيلة، كما فى مسرحية "الحلم يدخل القرية" مثلا التى تقوم على فكرة اتقراب ظهور (المهدى المنتظر) الذى حلمت بإنجابه فلاحة تقية اسمها (باتعة)، وأبرز شخصيات هذه المسرحية (سوسة) المتسول الذى يتباله ويدعى الولاية وهو فى الحقيقة يتجسس على عباد الله لصالح القوى المتسلطة، وعميل لقوى الشر التى تذل الشعب، ومثل شخصية (مخيمر) مخبر الشرطة وأحد المطحونين الذى يجد نفسه - مع ذلك - يعمل بلا وعى ضدهم، ومع ذلك انجذب إلى القيم الروحية مما يعرضه للتمزق.. فهو لا يستطيع أن يتقهقر، ولا يجد بدا من الاندفاع الذى يصاحبة الانفلات ويأخذ فى مرحلة (الانجذاب).
وبعد حوالى عشرين عاماً من روايته "السائرون نياما" يقدم لنا روايته "الكرباج" 1980 التى تسير على نفس المنوال .. وهى رواية قصيرة تسير فى تيار الواقعية السحرية وإن اختلط هنا بالواقعية الخيالية التى تحتاج إلى أن يوظف الفنان خياله لكشف الواقع الذى تتلقاه حواسه، وتنبع من داخل رؤية معقولة وعلمية للكون، والرواية - أيضاً - ذات طابع كابوسى .. إلا أن تجربته هنا تنجو إلى مساندة الإنسان للكشف عن تلك اللحظة التى تتخطى ذلك الكابوس وهى رواية من اثنتين وخمسين لوحة  - تتناول الفترة التاريخية لنهاية حكم الأتراك والمماليك لمصر، وبداية انفراد محمد على بالسلطة المطلقة، ونتعرف - خلال صفحات الرواية - على (الشيخ على البكرى) الذى يمشى فى الشارع شبه عار، و (الشيخة أمونة)، و (مصطفى) صاحب دكان مشروب الخروب، وصبية (عويس)، و(جعفر كاشف) المملوك، وأبطال النضال (سعيد) و (فرج الله) و (يوسف)، وتتميز لغة هذه الرواية بمستوى رفيع من البلاغة.
أما روايته الأخيرة "لاتسقنى وحدى" 1985 فهى أشبه بالقصيدة الطويلة، وامتداد لبعض أعماله القصصية والروائية التى أبدعها على فترات مختلفة فهى امتداد وتطور، وبها روح روايته "الرجل والطريق"، وقصصه (الجارية) من مجموعة "الزمن الوغد" 1962، و "الرقص على العشب الأخضر" 1975 .. والرواية تجسيد لحال من أحوال الصوفية هى مزيج من الجهاد والتجلى والشوق .. أما الشكل التاريخى للرواية فليس إلا وسيلة للتعبير عن هذا الحال الوجودى .. وهى تعبير شعرى ورؤية كونية سحرية حيث نشاهد واقعاً يسبق مبادئ العقل والمنطق وقوانين السببية، فالكاتب يمزج بين الصور الخيالية المستعارة من الرمز والتجربة الصوفية وصورة الحياة العادية، والرواية مليئة بلحظات مضيئة كاشفة فى عالم عبق بحلاوة الدخول فى المطلق والتجلى والشهود .. فالبشر هنا ليسوا أشراراً وأخياراً بالمعنى التقليدى .. بل أرواحا تجرى عليها الأحوال كما تجرى المقادير .. دون أن نعنى كثيراً بملابسهم وبيوتهم وألوان طعامهم، ويتجه مباشرة نحو جوهر الإنسان، وأنه لا سبيل إلى الاقتحام أو المواجهة بغير طاقة روحية، فرحلة (علاء الدين السوهاجى) بطل الرواية ليست رحلة ميتافيزيقية للبحث عن الله، أو الواحد وراء الأجزاء المتناثرة.
وإنما الهدف هو الإنسان، ويرى د. (رمضان بسطويسى) - (المصدر السابق-) أن هذه الرواية لا تعتمد على الحدث التقليدى بل على الحوار، كما هو الحال فى الموسيقى حيث يكون الحوار بين الأنغام هو الذى يخلق الانسجام الكونى للإنسان مع ذاته والعالم المحيط به، ومن خلاله يلتقى علاء الدين السوهاجى فى رحلة الوعى التى يقطعها بأول المصابيح على الطريق وهو (شهاب الدين السهروردى) المتصوف المعروف، ثم يلتقى (بعمر بن الفارض) .. الذى يسأله عن (الطريق) .. كيف كان؟ فيرد: الصحراء لم تهزمنى، ولكنها أخذت رفيق الطريق: فيرد (ابن الفارض): بل أخذته منك حدوده التى ما كان قادراً على أن يتجاوزها، ويفتح له (ابن الفارض) عالما واسعاً عن طريق المكاشفة والتواصل.
فعلاء السوهاجى يرى نفسه فى ابن الفارض، فكلاهما يهزه الشوق نحو الجمال والحقيقة .. فيأنس علاء السوهاجى بابن الفارض ويصحبه معه إلى عالم جديد تماماً، فيتعرف على (برهان الدين الجعبرى) خطيب مسجد مصر - الذى يبدأ مع علاء السوهاجى بتحديد الهدف من الطريق والغاية من رحلة الحياة .. وهو الإنسان، ووجدان الأمة وعقلها هما الأساس .. والذى يمثله زمرة المتصوفة الذين يحاولون أن يكونوا بؤرة إشعاع كى تستطيع الأمة أن تقاوم الفساد الداخلى والغزو الخارجى.

لقد غاص سعد مكاوى فى أعماق الحياة وعانى مرارتها، وتعرض لكل ألوان القهر التى تعرض لها الشعب المصرى على مدى السنين - لم يحصل على شئ من ذهب المعز، لكن ناله سيف المعز .. ولا يعنى سيف المعز هنا السجن والتعذيب فقط .. بل هناك ما هو أنكى وأمر .. هناك القهر والحبس داخل زنزانة كبيرة متزاحمة متهارشة كالكلاب، وهناك القتل المعنوى فى كل يوم، والخيار بين التحول إلى بوق أو راقص فى الزفة أو متطامن أو متواطئ وبين الحرمان من التعبير وإخصاء القدرة عليه، وتحول معانى التعبير إلى صناديق القمامة وافتقاد تلك الكلمات والمعانى لجلالها، والزراية بكل ما تمثله طاقات الروح والوجدان، والوعى الموءود .. وأخيراً - شظف العيش، إن سعد مكاوى هو كل هذا الذى قال عنه الكاتب الكبير (عبد الرحمن الشرقاوى): - كنت متأثراً فى بدء حياتى تأثراً معيناً بالأستاذ سعد مكاوى، وتأثرت به جداً جداً، وكنت أنشر على نسقه، وهو الذى قادنى إلى تشيخوف وجوركى ومايكوفسكى .. كذلك أعترف (يوسف إدريس) بأن سعد مكاوى يعتبر من أشرف كتابنا - إن لم يكن أشرفهم فعلا ..

شهيد الغرام من شعر محمود توفيق

فى ذكرى الكاتب الفنان: سعد مكاوى

شهيد الغرام (1)


أيــا  صاحبى ..  مَـرَّ عامٌ .. فعــــــــامْ ..      وجُرحُ   الأسى   ساهِرٌ  لاينـــــــامْ
فمـازالَ  فى  العين  سَيْبُ  الدمــــــوعِ ..     ومازالَ  فى  القلبِ  وقعُ  السِهـــــام
وكيــف  السُلُــــــوُّ ...  ومـا  بيننـــــــا ..     أواصِـرُ  لا  يَعتريهــا  انفصــــــــام
وعهــــــدُ  صَداقَتِنــــا  والإخـــــــــاء ..     وروضُ    مَحَبَّتِنـــــا   والوئـــــــــام
حَفِظنـاهُ  من  طَعَنــاتِ  الجُحــــــــود ..     وصُنّــاهُ  من  كَبواتِ  الخِصـــــــــام
ووجــدٌ  بمصــــرَ   شَقِينــــــــــا  بــهِ ..     وعِشْـقٌ  تَغَلْغَــلَ  حتى  العِظـــــــــام
حَملناهُ  فــــــوقَ  نزيفِ  الجـــــــراحِ ..     وخُضْنـا  به  غَمَـــراِتِ  الظــــــــلام
فإن  كُنتَ  أدمـنت  خَمَر  الأَســــــــىَ ..     إلى  أنْ  تجَرَّعتَ  كأسَ  الحِمـــــــام
فما  عِشْتَ  إلا  سجينَ  العفــــــــــافِ ..     وما  مِــتَّ  إلا  شهيدَ  الغـــــــــــرام
       ..    
ويـا  صَاحِبى  فلتَنَــمْ  فى  ســـــــــلامٍ ..    كما  كان  قلبُكَ  يهـوى  الســـــــــلام
يَحُفُّ  بمثـــواكَ  زهـرُ  الحقــــــــولِ ..     وتأوى   إليه   وفــودُ   الحَمــــــــــام
على  رَبوهٍ  يصطفيهــا  السكـــــــونُ ..     وتحنو  عليها   ظِـــلالُ  الغمـــــــــام
تُبادِرُها  الشَمسُ  عِندَ  الشـــــــروقِ ..      ويَغْمُرهــا  البَدْرُ  عِند  التمــــــــــــام
وقفتُ  بها  فى  ضِرامِ  الغُــــــروب ..      وفى  مُهجتى  لوعَةٌ   كالضِــــــــرام
أناجيكَ  فى  لحَظَـــــــاَتِ  الـــــوداعِ ..     وأبكيــكَ  من  قَلبىَّ  المُستَهــــــــــــام
فيبــــدو  خيالُــك  فى  ناظـــــــــرىَّ ..     كعهدكَ  فى  الحادثاتِ  الجِســـــــــــام
يُطالعنى  من  خِــلالِ  الدمـــــــــوع ..     ذكىَّ  الملامحِ  ... عَــذبَ  الكــــــــلام
كأنـك  مازِلــــــتَ   مِلئَ  الحيــــــاةِ ..     وفوقَ  المماتِ  ...  وفوقَ  السِقـــــــام
       ...   
ويـا  سعــدُ  إن  فَرَّقتْنَـا  الَمنــــــونُ ..     فما  طابَ  لى  بعدَ  ذاكَ  المُقــــــــــام
ولاغابَ  عن  خاطــرى  لحظــــــةً ..     خيالُـك ... فى  يَقْظَـةٍ  أو  مَنــــــــــام!
يُحُدِّثُنـى  عَنــكَ   مَــرُّ  النسيـــــــــم ..     وقَطْرُ النَـدى ..  وهَديلُ  اليمـــــــــــام
وألقــــاكَ  فى  كُلِّ  لفـظٍ  جَميـــــــلٍ ..      وفى  كلِّ  مّعنَىً  رفيــــعِ  المقـــــــام
وحيثُ  لقَيِــتُ  عَفـــــاف  الضميــر ..     وحيثُ  لَقيـتُ  السجايــا  العظـــــــام!
فَنَمْ   وادِعاً   فى  رحـابِ  الغَفــــورِ ..     على  رَفرفٍ  لم  يَطأهــــا  الأنـــــــام
تُكَفكِــفُ  عَنــكَ  جــــراحَ   الأســى ..     كواعبُ  مَقصورةٌ   فى  الخِيـــــــــام
فهيهــاتَ  يبلـــغُ   مِنــكَ  الجُحــودُ ..       وهَيهــاتَ  يرقى  إليكَ  المَــــــــــلام!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (1)  ديوان: قصائد فى الحب والحزن.


قصة قصيرة "السور"

قصـة قصيــرة

الســـــــور (1)


فى اللامكان واللا زمان، على الحجاب بين الجنة والنار، حيث لا بداية ولا نهاية، ولا شئ منذ الميزان والحساب إلا هذا السور بلا أول ولا آخر.
على يمينهم أصحاب الجنة وعلى شمالهم أصحاب النار، وهم فى مقامهم هذا على الحجاب لا أنيس لهم إلا عدم الفهم، ووطأة الحيرة أمام الإحساس الدائم بالرغبة فى معرفة الحقيقة.
- من نحن ؟
- لماذا لا يوجد من يفسر لنا هذا اللغز ؟
- أسمع أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ينادوننا بقولهم يا أصحاب الأعراف.
- الأعراف ؟
- هكذا تنادينا القلة الناعمة عن يميننا والكثرة المعذبة عن شمالنا.
- لكن من نكون ؟
- وما هذا السور بلا بداية ولا نهاية ؟
وتنتهى الأسئلة الكثيرة إلى صمت ثقيل لا تسمع فيه غير همهمات غير مفهومة، إلى أن يرتفع من الكتلة الهائلة المضطربة صوت يقترح نظرية.
- لعلنا من تساوت حسناتهم وسيئاتهم ؟
لكن صوتا آخر يرتفع وهو يشير تجاه نعمة أصحاب الجنة:
- بالميزان الذى شهدناه يوم الحساب كان يجب أن أكون مع هؤلاء .. أبدا لا تساوى سيئاتى حسناتى .. رذائلى قليلة وخطيئاتى معدودة .. طوال حياتى كنت ملتزما بالعبادات والخيرات والطاعات.. عمرى كله أنفقته مبتعدا عن المعترك، نائيا عن مد الحياة وجزرها.. ما عبأت يوما بما يدور حولى من شئون الحياة الفانية التى شغل بها أهل زمانى أنفسهم وانقسموا بسببها فرقا وشيعا وجبهات.. لملمت ثيابى ومشيت لصق حوائط الحياة متعوذا ومتهربا من الواقع.. أبدا لا تتساوى سيئاتى وحسناتى.. وأنا منذ فرزونى وصنفونى وتركونى هنا معكم لا أفهم.. لا أفهم..
ووقف آخر وأشار تجاه نقمة أصحاب النار:
- الحق ما يقول الرجل.. وعن نفسى أنا كان يجب أن أكون مع هؤلاء بخطيئاتى وأوزارى.. أن الالتزام الوحيد الذى عشت به عمرى الدنيوى كان مصلحتى الشخصية دون نظر إلى حقوق الآخرين.. نزلت إلى المعترك بفلسفة واحدة هى أن أسبح مع مد الحياة وجزرها مقتنصا الفرص، ولم يكن عندى ميل للتفكير فى الآخر، ولا كانت الدنيا عندى بحلاوتها وملذاتها معبرا فانيا.. كنت دائما مع فريق المصلحة وضمن جبهة الانتفاع.. وحسناتى القليلة تغرق تائهة فى خضم سيئاتى.. وأنا منذ فرزونى وصنفونى وألقوا بى معكم فى دهشة ما بعدها دهشة.. لا أفهم.. لا أفهم..
وقع صمت ثقيل العمق قبل أن يرتفع صوت آخر.
- نريد أن نفهم ما هى بدايتنا وما هى نهايتنا ؟
من فوق رءوسهم مرق صوت مكبر يحمل سؤالا من أصحاب الجنة لأصحاب النار:
- يا أهل الجحيم! لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟
حبس أصحاب الأعراف أنفاسهم فى صدورهم فى انتظار الرد الذى مرق من فوق رءوسهم فى الاتجاه المضاد:
- ألا تدعوننا فى حالنا؟ .. أو ليس أزكى لكم أن تفيضوا علينا مما عندكم من رزق؟
طغى على أصحاب الأعراف شعور أليم بالإحباط وهم يسمعون هذا الحوار يتشكل من فوقهم غير عابئ بوجودهم.. هل يعتبرهم هؤلاء وهؤلاء كما مهملاً لا وزن له؟
عادت الأصوات تتشابك بين اليمين والشمال:
- لا حق لكم فى شئ من هذا يا حطب جهنم.
- الفائض عندكم كثير، فأنتم قلة فى وفرة، ونحن فى حاجة إلى ماء.
- الفائض؟.. الآن تتكلمون عن الفائض.. ألم تكن الدنيا تسيل من تحتكم أنهاراً، فهل كان فى تقديركم حساب يومكم هذا وأنتم تنعمون وتنهلون؟
تدفقت من الأعراف ضراعة تجاه الجنة:
- يا أهل الجنة سلام عليكم.
   لا رد.
- سلام عليكم، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
لا رد.
- لماذا لا تردون تحية من يطمعون فى أن يأتى يوم تمسهم فيه الرحمة فيكونون معكم ومنكم؟
لا رد.
صرف أصحاب الأعراف أبصارهم الحسيرة تجاه أصحاب النار.
- وأنتم أيها القوم الظالمون، ألا تردون أيضاً؟
جاءهم الرد مكبرا من جبهة الجحيم:
- لماذا نرد عليكم ونحن نسمعكم تسألون الله ألا يجعلكم فى النهاية معنا؟
- أيها الظالمون المستكبرون، ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون.
- كفوا عنا فحيح شماتتكم وعودوا إلى التمسح فى المهتدين الذين لا يفارقكم الطمع فى صحبتهم رغم استعلائهم عليكم.
وعلى الأعراف ارتفعت أصوات متذمرة:
- دعونا من هؤلاء وهؤلاء وعودوا بنا إلى السؤال الذى ليس بعده سؤال.. ما هى حكايتنا؟.. من نحن؟
وقال أحدهم لصاحبه الذى يبدو كتمثال للحزن:
- كيف نصل إلى فهم لهذا الوضع الذى صرنا إليه على نحو يبدو أنه مؤيد؟
لم يكن صاحبه أقل حيرة منه:
- قد نصل إلى شئ من الفهم إذا حللنا ما نذكره من أحوالها عندما كنا على وجه الدنيا.
- على وجه الدنيا؟.. كنت من كبار المسالمين.
- ماذا تقصد بهذه الكلمة، مسالم؟
- لا أذكر أن تصرفا أو رد فعلى لى أغضب منى أحدا من الناس.
- حتى كلماتك لم تكن تغضب أحدا؟
- كنت صديق الجميع.
- لكأنك تتكلم عنى أنا الآخر، ولعلى قلت لك مرة أننى كنت فى عصرى من المشهورين بهذه البراعة فى تفادى أى موقف يغضب أى إنسان.
- فى مثل العصر المضطرب القاسى الذى عشت فيه لم أجد سلاحا لشق طريقى فى خضم الحياة الصعب غير هذا المنهج الهروبى.. أن أكون دائما لا مع ولا ضد أى إنسان أو فكرة أو حدث أو منعطف مصيرى.. أى خطأ فى هذا؟
قال له صاحبه بعد سكتة قصيرة:
- لا أعرف.. وأريد أن أعرف.. أريد أن أعرف من نحن ولماذا نتجمد فى هذا المكان الغريب الذى لا هو مع الكثرة الشقية ولا هو مع القلة الناعمة.
تفكر الآخر لحظة قبل أن يتكلم:
- لابد أن هنا من يستطيع ويملك الحق فى أن يقدم لنا الإجابة الشافية عن علامة الاستفهام الكبيرة هذه.
- من؟ وأين نجده؟
تطلعا حولهما فلم يجدا غير ما ألفت أبصارهما رؤيته من الجموع التى تملأ السور رائحة غادية، فى استسلام كامل، إلا قلة من بينهم كانت كلما صادفها باب من الأبواب الضخمة الموصدة أخذت تدق عليه بقبضات الأيدى، فلا ينم عن الدق صدى ولا يجدون له رجعا.
لا شئ غير الكتلة الهائمة بحيرتها واكتئابها كموجات بعد موجات من اللا معنى.
سارا طويلا وهما يتحاوران ساعة ويصمتان أخرى، حتى وجدا نفسيهما عند أحد الأبواب، ولأول مرة تشكلت لأحدهما إرادة موقف:
- تعال ندق هنا بقبضات أيدينا.
- قد يغضب هذا أحدا.
- وبصرخات الحناجر أيضا لعل لها مفعولا.
- هل أنت واثق أن هذا لن يغضب أحدا؟
- فى نهاية الأمر، لابد للسؤال الكبير من إجابة تريح.. أصرخ ودق معى، دق يا إنسان.
برح بهما التعب وسقطا على ركبهما واشتكت منهما الأيدى والحناجر وأقعيا فى يأس لدى الباب، لكنه لفرط دهشتهما ما لبث أن انفتح فجأة وظهر فى فراغه صاحبه الهادئ المضئ، فلم يصدقا نفسيهما وانبعثا واقفين فى رهبة.
تأمل صاحب الباب ارتعاشهما وقال لهما فى رصانة:
- ماذا تريدان؟
- نريد أن نفهم.
- هذا موقف.
- نعم ؟ !
- لأول مرة تشكل لكما موقف.
- موقف ؟ !
- أجل، موقف.
- نرجو ألا يكون هذا خطأ جسيما؟
جاءهما صوت صاحب الباب رائقا ومبطنا بالتسامح والترحاب:
- الدق على بابى بالسؤال موقف.
قال الرجل الثانى وهو يعانى من رجفة شديدة:
- تقبل اعتذارنا وأسفنا واستعدادنا الكامل للتراجع، فلم نكن نقصد أبدا أبدا أن يكون لنا موقف أى موقف.
كست وجه صاحب الباب ابتسامة غامضة:
- فى هذه الحالة أوصد بابى فى وجهيكما، فإن هذه الأبواب لها مفاتيح مقدرة.
- أية حالة؟
- حالة كونكما لم تقصدا أن يكون لكما موقف.
فى اندفاع قال الرجل الآخر:
- بل أردنا.
- هل أنت واثق؟
- نعم، أردنا أن نستمع إلى رد شاف.. هكذا أردنا.. هذه هى إرادتنا.
بشئ من الارتياح تأمله صاحب الباب:
- فى هذه الحالة يظل الباب مفتوحاً ويظل التحاور متاحا.
- ما هذا الوضع الذى وجدنا أنفسنا عليه ونحن هذه الكثرة؟
قال صاحب الباب دون أن تغيض الابتسامة من وجهة:
- ترى أنكم تزيدون أضعافا عن أصحاب الجنة، وأن كثرتكم تكاد تضاهى حجم أصحاب النار أو لعلها تزيد، وأحب أن تعرف أننا سعداء بخروج بعضكم من حالة الاكتئاب المذعن أو الإذعان المكتئب التى خيمت على جمعكم منذ وجدتم أنفسكم فى هذا المقام، على الأعراف.. نحن سعداء حقا بهذا التحرك إلى الفعل الذى بدأ يصدر عن بعضكم والذى أكدتماه الآن بالدق على الباب.
قال الرجل الثانى فى استبشار:
- حقا؟ .. لشد ما كنا نخشى أن يثير سلوكنا غضبكم.
قال صاحب الباب:
- على العكس.. إن لهذا الفعل دلالته المبشرة.
قال الرجل الأول:
- هل تتكرم بإيضاح لسبب هذه السعادة؟
قال صاحب الباب:
- إن هذا النعيم المقيم عن اليمين هو ثمرة موقف، كما أن هذا العذاب الأليم عن الشمال هو أيضاً ثمرة موقف، أما أنتم فقد كان موقفكم فى الحياة ألا يكون لكم موقف.
  هذه هى خطيئتنا إذن؟
- هى خطيئتكم التى تدفعون ثمنها ... إن الذى وضعكم حيث أنتم هو هذا الهروب من الاختيار الحاسم .. اخترتم ألا تختاروا .. اخترتم أن يكون وجودكم فى اللا وجود.
بعد صمت عميق انبثق سؤال الساعة:
- وما العمل الآن؟
تهلل صاحب الباب للسؤال:
- ها هى كلمة العمل تجيش فى نفوسكم وتتردد على ألسنتكم .. وإنها لبشرى طيبة أن تتشكل لكم آخر الأمر هذه الكلمة.
- تقصد أن هناك أملا لنا ؟
- بكل تأكيد.
- متى؟
ابتسم صاحب الباب:
- تعرفون من قانون الأبدية أن ما كنتم تسمونه المستقبل يمتد هنا ملايين وملايين من السنين التى كنتم تحسبون بها الزمن على عهدكم بالحياة الدنيا، والمهم الآن هو أن تنضجوا لجزاء أفضل من هذا المقام الباهت.
متى ؟ متى هذا الموعد ؟
قال صاحب الباب وهو يختفى هادئا مضيئا ويرد الباب فاذا هو موصد كما كان:
  عندما تشيع فى كتلتكم الكلمة ويتحدد لجمعكم موقف.

____________________________________________________

 (1) السور هى واحدة من اخر القصص التى كتبها سعد مكاوى، والتى تضمنتها مجموعة "كلمات فى المدن النائمة" التى صدرت بعد وفاته،  وفى هذه القصة تبدو الخصائص التى أستقر عليها أدب سعد مكاوى  فى المرحلة الأخيرة من إبداعه، سواء من حيث الشكل، أو من حيث المضمون.